الجزائر أمام مفارقة صادمة: قوة طاقية تعجز عن إنارة مدارسها

لم يعد النقاش في الجزائر يقتصر على ارتفاع درجات الحرارة أو الضغط الموسمي على شبكة الكهرباء، بل بات يطرح سؤالاً أكثر إحراجاً للسلطات: كيف لبلد يقدّم نفسه باعتباره قوة طاقية وإقليمية صاعدة أن يجد نفسه مضطراً إلى إعادة ترتيب رزنامة الدخول المدرسي تحت ضغط الظروف المناخية والطاقة؟

فقرار تأجيل التحاق التلاميذ بمقاعد الدراسة إلى 21 شتنبر 2026، وفق المعطيات المتداولة، وضع الخطاب الرسمي الجزائري أمام اختبار عملي يصعب تجاوزه بالدعاية السياسية. فبدلاً من أن تكون الإمكانات الطاقية الضخمة عاملاً مساعداً على ضمان استمرارية المرافق العمومية، تحولت موجة الحر وارتفاع الطلب على التكييف إلى عنصر مؤثر في تدبير قطاع حيوي، بما يثير تساؤلات حول جاهزية البنية التحتية وقدرتها على استيعاب الطلب المتزايد.

واللافت أن القرار جاء في سياق لم تكن فيه السلطات قد أنهت، قبل أسابيع قليلة، الترتيبات الخاصة بالموسم الدراسي الجديد. وكانت وزارة التربية الوطنية قد عقدت في 25 و26 يوليوز أشغال الندوة الوطنية الخاصة بتحضير الدخول المدرسي 2026-2027، وأعلنت خلالها مجموعة من الإصلاحات والإجراءات المرتبطة بالموسم المقبل.

وبذلك، فإن أي تعديل لاحق في موعد التحاق ملايين التلاميذ بالمدارس لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل إداري عابر، خصوصاً إذا كان مرتبطاً بتحديات الطاقة وارتفاع درجات الحرارة. فالمسألة تتجاوز تاريخ الدخول المدرسي إلى مدى قدرة مؤسسات الدولة على التخطيط المسبق والتعامل مع الأزمات الموسمية دون اللجوء إلى قرارات مفاجئة.

وتأتي هذه التطورات في وقت سجلت فيه الجزائر أحد أعلى مستويات استهلاك الكهرباء في تاريخها، بعدما أعلنت وزارة الطاقة والطاقات المتجددة تسجيل ذروة وطنية بلغت 21,378 ميغاواط خلال يوليوز الجاري. ويعكس هذا الرقم حجم الضغط الذي باتت تواجهه الشبكة الوطنية خلال فترات الحر الشديد، خصوصاً مع توسع استعمال أجهزة التكييف.

المفارقة هنا أن الجزائر تمتلك موارد غازية كبيرة وتقدم نفسها منذ سنوات باعتبارها فاعلاً أساسياً في سوق الطاقة الإقليمية والدولية، غير أن ارتفاع الطلب الداخلي يضع المنظومة أمام تحديات متزايدة. فكلما ارتفعت درجات الحرارة، ارتفع استهلاك الكهرباء، وكلما ارتفع الاستهلاك برزت الحاجة إلى ضمان هوامش أكبر من الإنتاج والنقل والتوزيع تفادياً للانقطاعات واضطرابات الشبكة.

وقد شهد شهر يوليوز بالفعل اضطرابات وانقطاعات كهربائية في عدد من المناطق، وسط شكاوى واسعة من المواطنين على منصات التواصل الاجتماعي، في وقت تداولت فيه مصادر محلية فرضيات مرتبطة بضغط الطلب وأعطاب تقنية. غير أن حجم الانقطاعات وتوزيعها الجغرافي يستدعيان تمييزاً واضحاً بين ما هو موثق رسمياً وما تم تداوله شعبياً، بدل تقديم كل المعطيات باعتبارها حقيقة واحدة.

المشكلة التي تكشفها هذه التطورات لا تتعلق فقط بكمية الكهرباء المنتجة، وإنما بقدرة المنظومة على تدبير الطلب في أوقات الذروة. فامتلاك الغاز والنفط لا يعني تلقائياً امتلاك شبكة كهربائية قادرة على مواجهة كل السيناريوهات، خصوصاً عندما تتزامن موجات الحر مع الارتفاع الكبير في استعمال أجهزة التبريد.

وهنا تبرز إحدى أكثر المفارقات إحراجاً للخطاب الرسمي الجزائري: ففي الوقت الذي تحرص فيه السلطات على تقديم البلاد باعتبارها قوة طاقية قادرة على لعب دور محوري في محيطها الإفريقي والمتوسطي، يجد المواطن الجزائري نفسه أمام أسئلة يومية مرتبطة بأبسط شروط الاستقرار الكهربائي.

ومن هذه الزاوية، يصبح الحديث عن تصدير الكهرباء وتمويل مشاريع طاقية خارج الحدود أكثر حساسية سياسياً. فقبل توسيع الطموحات الإقليمية، يظل الاختبار الحقيقي لأي سياسة طاقية هو ضمان خدمة مستقرة وموثوقة داخل البلاد، خصوصاً خلال فترات الضغط القصوى.

وتزداد حدة المفارقة عندما توضع الطموحات الجزائرية في إفريقيا إلى جانب الضغوط التي تواجهها الشبكة المحلية. فالجزائر تسعى إلى توسيع حضورها في سوق الطاقة الإفريقية، وتطرح نفسها كشريك قادِر على دعم دول القارة في مجال الكهرباء، بينما تكشف أرقام الاستهلاك الداخلي أن الطلب الوطني نفسه بلغ مستويات قياسية.

ولا يتعلق الأمر هنا برفض التعاون الإقليمي أو الاستثمار في إفريقيا، وإنما بالسؤال عن الأولويات والجدوى. فإذا كانت الموارد المالية والتقنية تسمح بتمويل مشاريع خارج الحدود، فمن المشروع أن يُطرح في المقابل سؤال حول حجم الاستثمارات الموجهة إلى تحديث الشبكات الداخلية، ورفع قدرتها على مواجهة الذروة، وتقليص مخاطر الانقطاعات.

وهذا هو جوهر المأزق الذي يواجه الخطاب الرسمي: كلما ارتفعت نبرة الحديث عن القوة الإقليمية، أصبحت أعطال الداخل أكثر كلفة سياسياً وإعلامياً.

في النهاية، لا يدفع ثمن الارتباك المؤسساتي المسؤولون عن صياغة الخطابات الرسمية، وإنما المواطنون والتلاميذ والأسر. فتغيير مواعيد الدراسة، واضطراب الخدمات الأساسية، والانقطاعات الكهربائية خلال موجات الحر، كلها تتحول إلى أعباء مباشرة على الحياة اليومية.

كما أن تبرير كل أزمة بعامل خارجي، سواء تعلق الأمر بالحرارة أو ارتفاع الاستهلاك أو الظروف الاستثنائية، لا يجيب عن السؤال الأساسي المتعلق بمدى جاهزية الشبكة للتعامل مع ظروف أصبحت متوقعة ومتكررة.

لقد كان من المفترض أن تكون موجات الحر وارتفاع الطلب الموسمي جزءاً من التخطيط المسبق، لا سبباً لإعادة ترتيب قطاعات حيوية في اللحظات الأخيرة. ومن هنا، فإن قضية الدخول المدرسي في الجزائر تحولت إلى أكثر من مجرد تعديل في الرزنامة؛ إنها مرآة تعكس حدود الخطاب الرسمي عندما يصطدم بالواقع.

وبينما تستمر السلطة الجزائرية في تقديم صورة دولة ذات قدرات طاقية وإقليمية متنامية، تكشف الأرقام والاضطرابات المتكررة أن التحدي الأكبر قد لا يكون في إنتاج الطاقة أو تصديرها، بل في ضمان وصولها بانتظام إلى المواطن، وفي بناء مؤسسات قادرة على التخطيط قبل وقوع الأزمة بدل الاكتفاء بتبريرها بعد حدوثها.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *