لم تكن النيران وحدها هي التي التهمت مناطق واسعة من الجزائر خلال موجة الحرائق الأخيرة؛ فمع اتساع رقعة الدمار، بدا أن شيئا آخر يتهاوى خلف ألسنة اللهب: قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وإدارة الكوارث بشفافية، ثم الاعتراف بحجم الخسائر عندما تقع المأساة.
في أواخر غشت 2026، وجدت الجزائر نفسها أمام واحدة من أكثر أزمات الحرائق قسوة في السنوات الأخيرة، بعدما اجتاحت النيران أكثر من ثلاث عشرة ولاية، بينما تحولت جيجل إلى إحدى أبرز بؤر الكارثة من حيث الخسائر البشرية والمادية. لكن المأساة لم تتوقف عند احتراق الغابات والمنازل؛ إذ سرعان ما ظهرت أزمة ثانية عنوانها الغموض الرسمي، وتضارب الأرقام، وصعوبة وصول الصحفيين إلى الميدان، فضلا عن شهادات تتحدث عن أوضاع صادمة رافقت التعامل مع جثامين الضحايا.
المشكلة، في جوهرها، ليست فقط في اندلاع الحرائق، وإنما في الطريقة التي تعاملت بها مؤسسات الدولة مع ما تلاها. فالدولة التي يفترض أن تكون حاضرة في لحظات الخطر تحولت، بحسب شهادات وتقارير متداولة، إلى جهاز منشغل بضبط الرواية الرسمية أكثر من انشغاله بتقديم رواية كاملة للمواطنين.
بينما تتداول مصادر وشهادات ميدانية تقديرات تتحدث عن حصيلة بشرية تفوق بكثير الرقم الرسمي المعلن، بقيت السلطات متمسكة بحصيلة محدودة للوفيات، دون أن تقدم للرأي العام، بحسب منتقدين، كشفا مفصلا يسمح بفهم حقيقة ما جرى.
وتذهب تقديرات غير رسمية إلى الحديث عن أكثر من 300 وفاة، في حين تحدثت الرواية الرسمية عن 12 حالة وفاة فقط. والفارق الهائل بين الرقمين لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل إحصائي؛ فهو، إذا تأكدت التقديرات الأعلى، يطرح أسئلة ثقيلة حول آليات الإحصاء، وشفافية المؤسسات، وكيفية توثيق الضحايا.
والأخطر من الرقم نفسه هو غياب المعلومات التفصيلية التي يفترض أن ترافق كارثة بهذا الحجم: أسماء الضحايا، أماكن الوفاة، ظروفها، أعداد المفقودين، وحصيلة الإصابات والخسائر في كل منطقة.
وحين تصبح الأرقام موضع نزاع، فإن أول ما يفقده المجتمع هو الثقة.
ومن أكثر جوانب الكارثة إثارة للصدمة ما يرد في شهادات حول طريقة التعامل مع بعض الجثامين. فقد تحدثت روايات عن عمليات دفن عاجلة في إحدى المناطق المنكوبة، بينها جثامين وضعت في مقابر جماعية، مع الاكتفاء بأرقام تسجيل بدلا من تثبيت أسماء الضحايا وتواريخهم على الشواهد.
إن صحت هذه الوقائع، فإن الأمر يتجاوز حدود الفوضى الإدارية. فاسم الضحية ليس إجراء بيروقراطيا يمكن الاستغناء عنه عند وقوع الكوارث، بل هو آخر ما تملكه العائلة والمجتمع لإثبات أن إنسانا كان هنا، وأن له اسما وأسرة وذاكرة وحقوقا.
العائلات التي فقدت أبناءها وأقاربها لم تكن تبحث عن امتيازات، بل عن أبسط حقوقها: معرفة مصير ذويها، تسلم جثامينهم، ودفنهم بطريقة تحفظ كرامتهم.
أما أن يجد أهل الضحية أنفسهم أمام إجراءات معقدة للحصول على الوثائق والتراخيص، في وقت تكون فيه المؤسسات عاجزة عن توفير الظروف الأساسية لحفظ الجثامين والتعامل معها، فذلك يكشف عمق الاختلال في إدارة الأزمة.
وتزيد الروايات التي تحدثت عن استخدام شاحنات تبريد مخصصة أصلا للمواد الغذائية في نقل الجثامين من حجم الأسئلة حول الاستعداد اللوجستي للمؤسسات الجزائرية لمواجهة كارثة من هذا النوع.
وفي الوقت الذي كانت فيه العائلات تبحث عن إجابات، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى الإعلام الرسمي، وسط حديث عن قيود حالت دون نقل الصورة كاملة من الميدان، أو الاستماع بحرية إلى أسر الضحايا، أو مناقشة الحصيلة البشرية المتداولة خارج الرواية الرسمية.
وهنا تتكرر مشكلة قديمة في طريقة إدارة السلطة الجزائرية للأزمات: عندما تعجز المؤسسات عن تقديم إجابات مقنعة، يصبح التحكم في المعلومة بديلا عن معالجة أصل المشكلة.
لكن عصر الإعلام المغلق انتهى. فقد أصبحت الهواتف المحمولة وشبكات التواصل الاجتماعي قادرة على نقل صور الدمار وشهادات السكان في دقائق، مهما حاولت المؤسسات الرسمية التحكم في تدفق المعلومات.
ولهذا انتقلت مهمة توثيق المأساة، بدرجة كبيرة، إلى المواطنين والصحفيين المستقلين. ومن خلال صور الجنازات، وإعلانات الوفاة، وشهادات العائلات، ظهرت رواية موازية للرواية الرسمية، أكثر التصاقا بما عاشه السكان على الأرض.
والسؤال الأصعب ليس فقط: كيف اندلعت الحرائق؟ بل: لماذا كانت الدولة، رغم معرفتها المسبقة بمخاطر الحرائق وموجات الحر، تبدو عاجزة عن منع تحولها إلى كارثة بشرية؟
فالجزائر عاشت مآسي حرائق كبرى في السنوات الماضية، خصوصا في منطقة القبائل. وكان من المفترض أن تتحول تلك التجارب إلى خطط عملية: تعزيز وسائل الإنذار المبكر، تجهيز مراكز متقدمة للحماية المدنية، رفع جاهزية فرق التدخل، وتوفير وسائل جوية كافية لمكافحة النيران.
غير أن استمرار أوجه القصور نفسها يفتح الباب أمام اتهام المؤسسات المعنية بالتقصير في الوقاية، لا بمجرد سوء الحظ أو الظروف المناخية.
الحرائق قد تكون طبيعية في أسبابها الأولى، لكن حجم الخسائر البشرية ليس دائما قدرا محتوما.
وعندما تفشل الدولة في إجلاء السكان في الوقت المناسب، أو تتأخر وسائل الإنقاذ، أو لا تتوفر المعدات بالسرعة المطلوبة، فإن السؤال عن المسؤولية يصبح مشروعا، بل ضروريا.
تملك الجزائر موارد مالية وطاقة بشرية ومؤسسات أمنية وإدارية ضخمة. لذلك فإن تبرير كل إخفاق بالعوامل الطبيعية أو المفاجآت المناخية لا يبدو كافيا.
المواطن الجزائري لا يطالب الدولة بمنع الطبيعة من إشعال حريق، وإنما يطالبها بأن تكون مستعدة عندما يحدث الحريق.
ومن هنا تصبح مسألة اقتناء طائرات الإطفاء، وتحديث منظومات الإنذار، وتجهيز الحماية المدنية، وإنشاء نقاط تدخل قريبة من المناطق الأكثر عرضة للخطر، قضايا سياسية وليست تقنية فقط.
فإذا كانت الميزانيات تُرصد، والوعود تُطلق بعد كل كارثة، ثم تتكرر المأساة بعد سنوات بالسيناريو ذاته، فمن حق الجزائريين أن يسألوا: أين ذهبت خطط الإصلاح؟ ومن يتحمل مسؤولية عدم تنفيذها؟
وسط الغضب الشعبي، جاء الإعلان عن إعادة تفعيل عقوبة الإعدام بحق المتورطين في إشعال الحرائق ليقدم للسلطة مخرجا سياسيا جاهزا: البحث عن مذنب فردي وتحويل الأنظار عن مسؤولية المؤسسات.
لا أحد يعترض على محاسبة من يثبت تورطه في إشعال الحرائق عمدا. لكن معاقبة المتسبب المباشر، إن ثبتت مسؤوليته، لا تلغي السؤال حول جاهزية الدولة لمنع تحول الحريق إلى مجزرة.
فحتى لو ثبت وجود حرائق متعمدة، تبقى مسؤولية السلطات قائمة في الإغاثة والإنقاذ والإجلاء وحماية المدنيين.
المحاسبة الجدية لا تبدأ فقط من المواطن المتهم بإشعال النار؛ بل يجب أن تصل أيضا إلى المسؤول الذي فشل في تنفيذ خطة الوقاية، أو تأخر في التدخل، أو أخفى معلومة، أو منع الصحافة من الوصول إلى الحقيقة.
وبالتزامن مع الكارثة، واصلت وسائل الإعلام الرسمية الانشغال بملفات خارجية، من مهاجمة وسائل إعلام فرنسية إلى إعادة تدوير ملفات مرتبطة بالمغرب والهجرة والمخدرات وقضايا رجال الأعمال.
وقد يبدو ذلك للسلطة جزءا من المعركة الإعلامية المعتادة، لكنه يصبح أكثر استفزازا عندما يحدث في وقت يحتاج فيه الجزائريون إلى معلومات دقيقة عن أقاربهم المفقودين وعن حصيلة كارثة تضرب مناطقهم.
المشكلة ليست في تغطية الملفات الخارجية بحد ذاتها، وإنما في أن تتحول هذه الملفات إلى ستار يحجب الأسئلة الداخلية الأكثر إلحاحا.
فالجزائري الذي فقد منزله أو أحد أفراد عائلته لا يحتاج إلى حملة إعلامية ضد دولة أخرى؛ يحتاج إلى معرفة من أنقذ ذويه، ومن تأخر، وكم عدد الضحايا، ولماذا حدث ذلك.
قد تنطفئ النيران خلال أيام، وقد تعود الغابات إلى النمو بعد سنوات، لكن آثار الكارثة ستبقى في ذاكرة العائلات التي فقدت أبناءها.
وإذا تأكدت الروايات المتعلقة بإخفاء أعداد الضحايا أو دفن جثامين دون تعريف واضح، فإن الجزائر لن تكون أمام أزمة حرائق فقط، بل أمام أزمة دولة ومؤسسات وشفافية.
فالضحايا ليسوا أرقاما يمكن تعديلها بما يخدم صورة السلطة، والجثامين ليست عبئا إداريا ينبغي التخلص منه بأسرع طريقة، والإعلام ليس جهازا وظيفته حماية الحكومة من الأسئلة الصعبة.
الدولة التي تحترم مواطنيها تفعل العكس تماما: تعلن الأرقام، تكشف أسماء الضحايا، تتيح للصحافة الوصول إلى الميدان، تفتح تحقيقا مستقلا، وتحدد المسؤوليات بوضوح.
أما دفن الضحايا تحت أرقام مجهولة، ثم دفن الحقيقة تحت البيانات الرسمية، فلن يمحو المأساة.
سيبقى السؤال قائما: هل كانت الجزائر عاجزة عن مواجهة الحرائق، أم أن النظام كان أكثر انشغالا بإدارة صورة الكارثة من إدارة الكارثة نفسها؟