لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية الجزائرية الأخيرة مفاجئة بقدر ما كانت امتدادًا لمشهد سياسي ظل يتكرر منذ سنوات؛ أغلبية مريحة لأحزاب السلطة، وبرلمان يعكس موازين القوى التقليدية، في مقابل مشاركة شعبية هي الأضعف في تاريخ البلاد. وبينما احتفت المؤسسات الرسمية بسير العملية الانتخابية، بدا أن الرقم الأكثر حضورًا في هذه الاستحقاقات لم يكن عدد المقاعد التي حصدتها أحزاب الموالاة، بل نسبة المشاركة التي فتحت مجددًا باب التساؤلات حول عمق أزمة الثقة بين السلطة والشارع.
فوفق الأرقام الرسمية، لم تتجاوز نسبة المشاركة 20.79 في المائة، بعدما صوت أقل من خمسة ملايين ناخب من أصل نحو 24 مليونًا مسجلين في القوائم الانتخابية. وهي نسبة يصعب التقليل من دلالاتها، خاصة أنها تحققت رغم مشاركة 33 حزبًا سياسيًا وعشرات القوائم المستقلة، في انتخابات كانت السلطة تراهن عليها لتأكيد استقرار المسار السياسي الذي انطلق بعد انتخابات 2019.
ورغم أن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عزت ضعف الإقبال إلى موجة الحر وتزامن الاقتراع مع منافسات رياضية، فإن هذه التفسيرات لم تقنع كثيرًا من المتابعين، الذين رأوا أن الأزمة أعمق من عوامل ظرفية، وترتبط أساسًا بتراجع ثقة جزء واسع من الجزائريين في جدوى الانتخابات وقدرتها على إحداث تغيير في مراكز صناعة القرار.
على مستوى النتائج، حافظت أحزاب الموالاة على سيطرتها على المجلس الشعبي الوطني. فقد تصدرت جبهة التحرير الوطني النتائج بـ90 مقعدًا، تلتها التجمع الوطني الديمقراطي بـ73 مقعدًا، ثم جبهة المستقبل بـ59 مقعدًا، فيما عزز حزب صوت الشعب، المعروف بدعمه للرئيس عبد المجيد تبون، حضوره البرلماني بشكل لافت.
هذه النتائج منحت أحزاب الأغلبية الرئاسية ما يقارب ثلثي مقاعد البرلمان، وهي أغلبية تتيح تمرير مشاريع القوانين والسياسات الحكومية بسهولة، لكنها في الوقت نفسه تثير نقاشًا حول مدى تعبير المجلس الجديد عن المزاج السياسي الحقيقي للمجتمع، في ظل إحجام أغلبية الناخبين عن المشاركة.
كما سجلت الانتخابات تراجعًا واضحًا لبعض قوى المعارضة، خاصة الأحزاب الإسلامية والقوائم الحرة، وهو ما يعزز استمرار هيمنة الأحزاب القريبة من السلطة على المشهد البرلماني، ويحد من فرص بروز توازنات سياسية جديدة داخل المؤسسة التشريعية.
إذا كانت السلطة تعتبر أن الانتخابات نجحت من الناحية التنظيمية، فإن نسب المشاركة المنخفضة تشير إلى أن التحدي الحقيقي لم يكن تقنيًا، بل سياسيًا. فامتناع نحو أربعة أخماس الهيئة الناخبة عن التصويت يعكس، بحسب عدد من الباحثين والحقوقيين، استمرار أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي نوري إدريس أن المشاركة السياسية لا يمكن اختزالها في صناديق الاقتراع، معتبرًا أن غياب فضاء سياسي يسمح بنقاش حر وتنافس فعلي ينعكس مباشرة على اهتمام المواطنين بالعملية الانتخابية.
كما اعتبر مدير منظمة “شعاع” لحقوق الإنسان، رشيد عوين، أن نسبة المشاركة المتدنية تعكس استمرار القطيعة بين جزء واسع من المجتمع والمسار السياسي الذي تشكل منذ عام 2019، مشيرًا إلى أن تقييم النتائج لا ينفصل عن النقاش الدائر بشأن شروط المنافسة والحريات السياسية.
ولم تقتصر الأسئلة المطروحة على نسب المشاركة، بل امتدت إلى الجدل الذي أثارته تصريحات رئيس حركة البناء الوطني، عبد القادر بن قرينة، الذي دعا إلى فتح تحقيق بشأن معلومات تحدثت عن تسجيل أصوات لأشخاص متوفين في بعض مكاتب الاقتراع.
ورغم عدم صدور نتائج رسمية تؤكد هذه الادعاءات أو تنفيها، فإن إثارة هذه القضية من طرف حزب مشارك في الانتخابات وحليف للسلطة أضافت بعدًا جديدًا للنقاش حول نزاهة العملية الانتخابية، وأبرز أهمية تعزيز الثقة في آليات الإشراف والرقابة.
من الناحية القانونية، أفرزت الانتخابات مجلسًا جديدًا وفق الإجراءات الدستورية المعتمدة، غير أن الشرعية السياسية لأي مؤسسة منتخبة ترتبط أيضًا بمستوى الإقبال الشعبي عليها. ولذلك، تبدو المشاركة الضعيفة أبرز تحدٍ يواجه السلطة بعد إعلان النتائج، لأنها تعكس فجوة لا يمكن تجاوزها بالأرقام المتعلقة بعدد المقاعد وحدها.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، يبقى الرهان الأساسي أمام السلطات الجزائرية هو استعادة ثقة المواطنين في العمل السياسي، وإقناعهم بأن الانتخابات تمثل بالفعل وسيلة للتأثير في السياسات العامة، وليس مجرد محطة دورية لإعادة إنتاج موازين القوى القائمة.
وبين أغلبية برلمانية مريحة ومشاركة انتخابية غير مسبوقة في ضعفها، تفتح التشريعيات الأخيرة نقاشًا يتجاوز توزيع المقاعد، ليطال مستقبل العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وقدرة النظام السياسي على توسيع قاعدة المشاركة في الاستحقاقات المقبلة، وهي أسئلة ستظل حاضرة حتى بعد إسدال الستار على هذا الاستحقاق.