النظام الجزائري يواجه المقاطعة الواسعة للانتخابات باعتقال مغاربة

أعادت الانتخابات التشريعية الأخيرة في الجزائر فتح باب الجدل حول علاقة السلطة بالشارع، بعدما طغت على الاستحقاق الانتخابي مؤشرات العزوف عن التصويت، لتعود بعدها الرواية الرسمية إلى تحميل أطراف خارجية مسؤولية ما جرى، في مشهد يرى فيه معارضون أنه يعكس استمرار الاعتماد على خطاب “المؤامرة” لتفسير الأزمات الداخلية.

وبعد أيام من الاقتراع الذي جرى في 2 يوليوز 2026، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية تفكيك ما وصفته بـ”خلية إجرامية” في ولاية تيزي وزو، قالت إنها تضم ستة أشخاص، بينهم أربعة مواطنين مغاربة، واتهمتهم بالعمل على عرقلة سير الانتخابات ومنع المواطنين من التصويت.

وأثار هذا الإعلان ردود فعل متباينة، إذ اعتبره منتقدون محاولة لتحويل الأنظار عن النقاش المرتبط بنسبة المشاركة، التي أقرت السلطات نفسها بأنها لم تتجاوز نحو 20 في المائة على المستوى الوطني، وهي نسبة أعادت إلى الواجهة التساؤلات بشأن حجم الإقبال الشعبي على الاستحقاقات الانتخابية.

وفي بيانها، أكدت وزارة الدفاع أن العملية جاءت في إطار جهود حماية الأمن العام وإحباط ما وصفته بمخططات تستهدف استقرار البلاد، غير أن أصواتاً معارضة شككت في الرواية الرسمية، معتبرة أن ربط المقاطعة الشعبية بوجود مجموعة صغيرة من الأشخاص لا يفسر العزوف الواسع الذي سجل في عدة مناطق من البلاد.

وبرزت منطقة القبائل مجدداً كواحدة من أكثر المناطق التي شهدت عزوفاً عن المشاركة، في امتداد لمواقف سابقة اتسمت بمقاطعة الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما يراه ناشطون تعبيراً عن استمرار القطيعة السياسية بين جزء من سكان المنطقة والسلطة المركزية.

وفي هذا السياق، اعتبر المؤرخ الفرنسي برنار لوغان، في مقال رأي، أن نسب المشاركة المسجلة خلال السنوات الأخيرة تعكس اتساع الفجوة بين السلطة وقطاع واسع من المواطنين، معتبراً أن تكرار العزوف الانتخابي يطرح تساؤلات بشأن مستوى الثقة في المؤسسات السياسية.

كما رأى الناشط القبائلي أكسيل بلعباسي أن استمرار المقاطعة في منطقة القبائل يحمل دلالات سياسية تتجاوز مجرد الامتناع عن التصويت، معتبراً أن السكان يواصلون التعبير عن رفضهم للسياسات التي تنتهجها السلطات تجاه المنطقة.

وفي المقابل، يرى محللون أن توجيه الاتهامات إلى أطراف خارجية، وعلى رأسها المغرب، أصبح حاضراً بشكل متكرر في الخطاب الرسمي الجزائري كلما تصاعد الجدل الداخلي، معتبرين أن هذا النهج يساهم في تحويل الاهتمام من القضايا السياسية والاقتصادية إلى ملفات أمنية وخارجية.

وأثار البيان الرسمي أيضاً مخاوف لدى بعض المراقبين من انعكاسات الخطاب الإعلامي المصاحب له، بعدما تداولت وسائل إعلام محسوبة على السلطة روايات تتحدث عن وجود أعداد كبيرة من المغاربة المقيمين بطريقة غير نظامية في الجزائر، وهي مزاعم لم تدعمها معطيات رسمية أو مستقلة، ما دفع حقوقيين إلى التحذير من أي خطاب قد يؤدي إلى استهداف أفراد على أساس جنسيتهم.

كما استحضر بعض المنابر الإعلامية حادثة ترحيل آلاف المغاربة من الجزائر سنة 1975، في خطوة أثارت انتقادات باعتبارها تعيد إحياء واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخ العلاقات بين البلدين، وسط تحذيرات من استخدام أحداث الماضي في سياق التوترات السياسية الراهنة.

وفي خضم هذه التطورات، دعا أكسيل بلعباسي المواطنين المغاربة الموجودين في الجزائر إلى توخي الحذر، معتبراً أن مناخ التوتر والخطاب المتصاعد قد ينعكس على أوضاعهم، في انتظار هدوء الأوضاع.

وتسلط هذه التطورات الضوء مجدداً على التحديات التي تواجهها الجزائر داخلياً بعد الانتخابات، حيث يرى مراقبون أن معالجة أزمة الثقة السياسية تتطلب تعزيز الحوار والانفتاح على المطالب الداخلية، بدلاً من أن يتحول الجدل إلى مواجهة إعلامية ودبلوماسية مع أطراف خارجية، وهو ما قد يزيد من تعقيد المشهد السياسي في البلاد.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *