حرائق الجزائر تفضح مأزق نظام الكابرانات.. والإعدام في الواجهة

تواجه السلطات الجزائرية موجة انتقادات حقوقية دولية على خلفية توسيع نطاق عقوبة الإعدام في قانونها الجنائي، في خطوة اعتبرتها 15 منظمة حقوقية دولية وإقليمية تراجعا خطيرا عن المكتسبات المرتبطة بحماية الحق في الحياة، ومحاولة لتشديد القبضة العقابية بدل فتح نقاش جدي بشأن مسؤولية المؤسسات العمومية عن تدبير الأزمات. ويثير هذا التوجه مخاوف من تحويل المأساة التي خلفتها حرائق الغابات إلى مدخل لتمرير تشريعات متشددة، قد تمتد تداعياتها إلى حرية التعبير والعمل الصحفي والنشاط الحقوقي.

 

وتأتي هذه الإدانة في وقت تسعى فيه المنظمات الحقوقية إلى منع تقويض الوقف الفعلي لتنفيذ أحكام الإعدام، المستمر في الجزائر منذ سنة 1993. وانطلقت التحركات الرافضة للتعديلات الجديدة عقب نداء دولي قادته «الشبكة المغاربية لمناهضة عقوبة الإعدام»، جمع أكثر من 770 توقيعا، من بينها 35 منظمة غير حكومية، احتجاجا على مسار تشريعي متسارع أعقب حرائق الغابات التي اجتاحت أكثر من 13 ولاية جزائرية خلال صيف 2026.

 

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة إشكالية تعامل النظام الجزائري مع الأزمات الكبرى، بين متطلبات كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن أي إخفاقات محتملة، وبين اللجوء إلى تشديد العقوبات باعتباره جوابا سياسيا وأمنيا سريعا على الغضب الشعبي. فبدلا من أن ينصب النقاش على نجاعة منظومة الوقاية والإنذار المبكر والإغاثة، جاءت التعديلات لتوسع دائرة الجرائم المعاقب عليها بالإعدام، بما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن تناسب العقوبة مع الأفعال المرتكبة وضمانات المحاكمة العادلة.

 

وكانت الرئاسة الجزائرية قد أعلنت، في 30 غشت 2026، التوجه نحو مراجعة فورية للمنظومة الجنائية، عقب الحرائق التي شهدتها مناطق من الشمال الشرقي للبلاد، ولا سيما ولايات جيجل وبجاية وتيزي وزو. وتضمنت التوجيهات تشديد العقوبات على المدانين بإضرام النيران، وصولا إلى الإعدام بعد استنفاد مراحل الطعن، قبل أن يتوج هذا المسار بنشر التعديلات في الجريدة الرسمية يوم 13 أكتوبر.

 

واللافت في هذا المسار ليس فقط اتساع نطاق العقوبات، بل أيضا السرعة التي جرى بها تمرير النص عبر غرفتي البرلمان، المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، مطلع أكتوبر، دون مشاورات فعالة مع المنظمات الحقوقية والمحامين، وفق ما أوردته الجهات المنتقدة. ويطرح هذا الاستعجال علامات استفهام حول مدى إخضاع تشريع بهذه الخطورة لنقاش عمومي وقانوني كاف، بالنظر إلى ما يترتب عليه من مساس بأحد أكثر الحقوق الإنسانية جوهرية، وهو الحق في الحياة.

 

وشملت التعديلات الجديدة أفعالا إضافية ضمن الجرائم التي يمكن أن تصل عقوبتها إلى الإعدام، من بينها إضرام النار في الغابات والحقول حتى في غياب خسائر بشرية، وإحراق الممتلكات العامة أو الخاصة، واختطاف الأطفال المقترن بسوء المعاملة. كما ألغت إمكانية الاستفادة من ظروف التخفيف في الحالات المعنية، بما يعيد فرض العقوبة القصوى بصورة إلزامية، إلى جانب توسيع التجريم ليشمل التحريض والتشجيع عبر الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي.

 

وتكمن الخطورة، بحسب المنظمات الحقوقية، في أن توسيع نطاق العقوبة القصوى يترافق مع استعمال عبارات قانونية قابلة لتأويلات واسعة، بما قد يمنح السلطات مجالا أكبر لملاحقة الأفراد على خلفية أنشطة لا ترقى بالضرورة إلى المشاركة الجنائية في الأفعال موضوع المتابعة. وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف حول تشديد العقوبات، بل بمدى احترام مبدأ الشرعية الجنائية وضرورة تحديد الأفعال المجرّمة بدقة، حتى لا تتحول النصوص القانونية إلى أدوات للترهيب أو لتقييد الحريات.

 

وفي هذا السياق، اعتبرت ديانا الطحاوي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، أن اعتماد هذه التعديلات يمثل «ضربة قاصمة لحقوق الإنسان»، فضلا عن تعارضه مع التزامات الجزائر الدولية. وانتقدت تمرير النص على عجل، من دون مشاورات فعالة مع الفاعلين الحقوقيين والمحامين، محذرة من استغلال المآسي الإنسانية لتبرير توسيع نطاق العقوبات التي لا يمكن تدارك آثارها في حال تنفيذها.

 

من جهتها، حذرت منظمة «شعاع لحقوق الإنسان»، التي يوجد مقرها في لندن، من الصياغات الفضفاضة الواردة في المادتين 396 مكرر 1 و2، ولا سيما تلك المرتبطة بمفاهيم من قبيل المساس بـ«الوحدة الوطنية» و«استقرار المؤسسات وسيرها العادي». وترى المنظمة أن هذه العبارات، في ظل تقاطعها مع مقتضيات المادة 87 مكرر، قد تفتح المجال أمام تأويلات عقابية موسعة تخلط بين التعبير السلمي عن الرأي عبر المنصات الرقمية والمشاركة الفعلية في ارتكاب جرائم خطيرة.

 

ويحذر هذا الطرح من أن الغموض التشريعي لا يهدد النشطاء الحقوقيين وحدهم، بل قد يطال الصحفيين والمواطنين الذين يوثقون الاختلالات أو ينتقدون أداء المؤسسات العمومية خلال الأزمات. فحين تصبح مفاهيم مثل «التحريض» و«التشجيع» قابلة لتفسيرات واسعة، تتراجع الضمانات القانونية التي يفترض أن تحمي النقاش العمومي، ويتحول الخوف من المتابعة إلى عامل قد يدفع الأفراد إلى الرقابة الذاتية، خصوصا في الملفات التي تتعلق بمسؤولية السلطات عن تدبير الكوارث.

 

ولا تقف الاعتراضات عند حدود الصياغة القانونية، إذ ترى المنظمات الموقعة أن التعديلات تثير إشكالات جدية بشأن مدى انسجامها مع التزامات الجزائر الدولية، وفي مقدمتها المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه البلاد سنة 1989. وتربط هذه المادة مشروعية تطبيق عقوبة الإعدام، في الدول التي لم تلغها، بالجرائم الأشد خطورة، في إطار ضمانات قانونية صارمة.

 

كما سبق لخبراء الأمم المتحدة أن شددوا، في بلاغ صدر يوم 30 شتنبر 2026، على ضرورة مراجعة التوجهات التشريعية المعنية بما يضمن ملاءمتها مع المواثيق الدولية وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 17 دجنبر 2024. وتضع هذه التحذيرات السلطات الجزائرية أمام مسؤولية احترام التزاماتها الحقوقية، بدل التعامل مع الانتقادات باعتبارها اعتراضات شكلية على خياراتها التشريعية.

 

وفي خلفية هذا الجدل، تبرز مسألة أكثر حساسية تتعلق بمدى استعداد المؤسسات الجزائرية للخضوع للمساءلة بشأن تدبير حرائق الغابات وما قد يكون رافقها من اختلالات. فالتشدد العقابي، مهما بلغت حدته، لا يقدم في حد ذاته تفسيرا لأسباب انتشار الحرائق، ولا يكشف مدى جاهزية فرق التدخل والإنقاذ، ولا يحدد المسؤوليات المحتملة عن التأخر في الاستجابة أو قصور إجراءات الوقاية.

 

ومن هذا المنطلق، يرى فاعلون حقوقيون أن تحميل الأفراد أقصى العقوبات لا ينبغي أن يحجب مسؤولية الدولة عن توفير شروط حماية المواطنين، ولا أن يحل محل التحقيق المستقل في أسباب الكوارث وملابساتها. وسجلت منظمة «شعاع لحقوق الإنسان» أن التلويح بالإعدام لا يعفي السلطات من واجب كشف الحقيقة، مطالبة بنشر حصيلة رسمية شاملة للضحايا والمفقودين، وإخضاع أداء المؤسسات المكلفة بالإنذار المبكر والإجلاء والإنقاذ لتحقيقات مستقلة ونزيهة.

 

وتزداد هذه المطالب إلحاحا بالنظر إلى أن عقوبة الإعدام، في حال تنفيذها، تمثل إجراء لا رجعة فيه، حتى إذا ظهرت لاحقا معطيات جديدة تكشف خطأ قضائيا أو خللا في تحديد المسؤوليات. لذلك، فإن أي إخفاق في ضمان المحاكمة العادلة أو في التثبت من الأدلة قد يفضي إلى نتائج يتعذر إصلاحها، وهو ما يجعل التوسع في تطبيق هذه العقوبة موضع قلق بالغ لدى الهيئات المدافعة عن حقوق الإنسان.

 

وفي هذا الصدد، شددت مسؤولة منظمة العفو الدولية على رفض استخدام الأزمات لتبرير المزيد من أحكام الإعدام، معتبرة أن الخسائر البشرية التي خلفتها حرائق الغابات لا ينبغي أن تكون ذريعة لإزهاق أرواح إضافية. ووصفت المنظمة العقوبة بأنها أقصى أشكال العقوبات القاسية واللاإنسانية والمهينة، لما تنطوي عليه من حرمان نهائي من الحق في الحياة.

 

أما على مستوى الفضاء الرقمي، فإن توسيع التجريم ليشمل التحريض والتشجيع عبر شبكات التواصل الاجتماعي يثير مخاوف من استخدام القانون لتضييق المجال المتاح أمام توثيق الأزمات ومناقشة أوجه القصور في الاستجابة الرسمية. فبدلا من أن يشكل تداول المعلومات وسيلة لتوضيح الوقائع وتعزيز الشفافية، قد يصبح مصدر قلق للمواطنين والصحفيين إذا اقترن بنصوص غامضة وعقوبات شديدة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن الغضب أو المطالبة بالمحاسبة.

 

وتتجاوز تداعيات هذا التوجه، بالتالي، حدود السياسة الجنائية لتلامس طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، ومدى تقبل المؤسسات العمومية للانتقاد والمساءلة. فالتشريع الذي يوسع العقوبات من دون ضمانات دقيقة قد يبعث برسالة ترهيب، حتى إن لم يثبت استخدامه فعليا لملاحقة المنتقدين، ويضعف الثقة في قدرة القانون على حماية الحقوق والحريات بصورة متساوية.

 

وأمام هذه المخاوف، دعت المنظمات الحقوقية الموقعة السلطات الجزائرية إلى التراجع الفوري عن المقتضيات المثيرة للجدل، وتكريس الوقف الفعلي لتنفيذ أحكام الإعدام رسميا، تمهيدا لإلغائها نهائيا. كما طالبت بإجراء تحقيق شامل في جميع العوامل التي أدت إلى الخسائر البشرية خلال حرائق الغابات، بما في ذلك أي تقصير محتمل من جانب المسؤولين العموميين في الوقاية أو الاستجابة لحالات الطوارئ.

 

ويضع هذا الجدل النظام الجزائري أمام اختبار حقيقي: هل تكون الأولوية لكشف الحقيقة ومحاسبة كل جهة يثبت تقصيرها، أم لتوسيع الترسانة العقابية بما قد يخفف الضغط السياسي مؤقتا من دون معالجة أوجه الخلل؟ فالمساءلة لا تتحقق بمجرد رفع سقف العقوبات، ولا تستعيد ثقة المواطنين عبر التهديد بأقصاها، بل تقتضي الشفافية بشأن ما وقع، وضمان استقلال التحقيقات، وحماية الحق في التعبير، وإرساء قواعد واضحة تمنع الإفلات من المسؤولية، أيا كانت الجهة المعنية بها.

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *