تتجه الأنظار، يوم 10 نونبر الجاري، إلى مقر الأمم المتحدة بنيويورك، حيث تستعد الجمعية العامة لعقد جلسة رسمية مخصصة لمناقشة تداعيات استخدام حق النقض داخل مجلس الأمن بشأن قضية الصحراء المغربية، وذلك في أعقاب المواجهة الدبلوماسية التي شهدها المجلس خلال تصويته على مشروعي القرارين الأمريكي والروسي المتعلقين بمستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو).
وتأتي هذه الخطوة في ظرف أممي دقيق، بعدما فشل مجلس الأمن، خلال جلسة 30 أكتوبر الماضي، في اعتماد أي من المشروعين المتنافسين، وسط تباين واضح في مواقف الأعضاء الدائمين، بالتزامن مع دخول المينورسو مرحلة التصفية عقب انتهاء ولايتها دون التوصل إلى اتفاق بشأن تمديد مهامها.
وفي هذا السياق، وجه رئيس الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، خليل الرحمن، المنتمي إلى بنغلادش، رسالة بتاريخ 2 نونبر الجاري إلى ممثلي الدول الأعضاء والمراقبين الدائمين، أعلن فيها الدعوة إلى عقد الاجتماع بموجب البند 62 من جدول الأعمال، المتعلق باستخدام حق النقض، وذلك ابتداء من الساعة العاشرة صباحا بالتوقيت المحلي، بقاعة الجمعية العامة في نيويورك.
وتستند هذه المبادرة إلى القرار الأممي رقم 76/262، المعتمد سنة 2022، والذي أقر آلية تتيح للجمعية العامة عقد مناقشة رسمية عقب لجوء أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن إلى الفيتو، بما يسمح لبقية الدول الأعضاء بالاطلاع على مبررات هذا القرار ومناقشة انعكاساته على القضايا الدولية المطروحة أمام المجلس.
وتبرز أهمية الاجتماع المرتقب من خلال طبيعة المواجهة التي طبعت جلسة مجلس الأمن الأخيرة؛ إذ استخدمت روسيا حق النقض لإسقاط مشروع القرار الأمريكي، رغم حصوله على دعم 11 عضوا، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت.
وفي المقابل، لم يتمكن المشروع الروسي البديل من جمع الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، قبل أن تلجأ الولايات المتحدة بدورها إلى استخدام الفيتو لإسقاطه، لتنتهي بذلك أشغال المجلس دون التوصل إلى اتفاق بشأن مستقبل المينورسو والإطار الذي ستعمل ضمنه خلال المرحلة المقبلة.
وتكشف هذه النتيجة عن استمرار الخلاف بين القوى الكبرى حول الصيغة المناسبة للتعامل مع الملف، خصوصا في ظل تباين التصورات بشأن طبيعة مهام البعثة الأممية ومستقبل حضورها في المنطقة.
ويمنح القرار رقم 76/262 الجمعية العامة صلاحية عقد اجتماع رسمي في غضون عشرة أيام عمل من استخدام حق النقض من طرف أحد الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن، لمناقشة القضية التي ارتبط بها الفيتو.
كما يتيح للدولة التي استخدمت هذه الصلاحية أولوية في ترتيب لائحة المتدخلين، بما يمنحها فرصة تقديم توضيحات بشأن خلفيات موقفها ومبررات اعتراضها على مشروع القرار المعروض للتصويت.
وتتضمن الآلية ذاتها دعوة مجلس الأمن إلى تقديم تقرير خاص بشأن استخدام الفيتو، قبل موعد المناقشة بما لا يقل عن 72 ساعة، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية وإتاحة المجال أمام الدول الأعضاء لمناقشة القرارات التي تحول دون اعتماد مشاريع داخل الجهاز الأممي.
غير أن هذه المناقشة لا تمنح الجمعية العامة صلاحيات بديلة عن مجلس الأمن، ولا تتيح لها إلغاء نتائج التصويت أو تجاوز الفيتو الذي أسقط المشروعين الأمريكي والروسي. وبالتالي، فإن الاجتماع يظل ذا طبيعة سياسية ودبلوماسية، يروم استعراض المواقف الدولية وتقييم انعكاسات استخدام حق النقض، دون المساس بالنتائج القانونية والإجرائية التي ترتبت عن جلسة مجلس الأمن.
ويتزامن التحرك داخل الجمعية العامة مع تطور لافت يتعلق بمستقبل البعثة الأممية في الصحراء، بعدما انتهت ولايتها عند منتصف ليلة 31 أكتوبر الماضي، دون التوصل إلى توافق بين أعضاء مجلس الأمن بشأن تمديدها.
وبذلك، دخلت المينورسو، التي تأسست سنة 1991 في إطار ترتيبات وقف إطلاق النار والمساعي الأممية المرتبطة بتنظيم الاستفتاء، مرحلة جديدة تتمثل في إنهاء عملياتها الميدانية والشروع في تصفية هياكلها وممتلكاتها.
وكان ستيفان دوجاريك، الناطق الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، قد أوضح أن فاتح نونبر شكل الانطلاقة الفعلية لمرحلة تصفية البعثة، مشيرا إلى أن فريقا أمميا محدودا تابعا لإدارة الدعم العملياتي سيتولى الإشراف على الانسحاب المنظم لمعدات الدول المساهمة بقوات، إلى جانب تدبير التجهيزات والأصول التابعة للمنظمة وفق المساطر المعمول بها.
وتشمل هذه المرحلة ترتيبات لوجستية وإدارية مرتبطة بمغادرة الموظفين والعناصر التابعة للبعثة، فضلا عن تدبير المعدات والمنشآت الأممية، بعد انتهاء المهام الميدانية التي اضطلعت بها على مدى أكثر من ثلاثة عقود.
ومع ذلك، فإن توقف العمليات الميدانية للمينورسو لا يعني بالضرورة نهاية الدور السياسي للأمم المتحدة في النزاع، إذ تظل جهود الوساطة التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، قائمة في إطار المساعي الرامية إلى إيجاد حل سياسي.
كما يطرح هذا التحول تساؤلات بشأن مستقبل مراقبة الوضع الميداني وترتيبات وقف إطلاق النار، وهي من أبرز المهام التي ظلت البعثة تضطلع بها منذ إحداثها سنة 1991.
وعلى المستوى السياسي، أعاد سقوط مشروعي القرارين الأمريكي والروسي النقاش حول طبيعة الحضور الأممي في الصحراء، في ظل عدم قدرة مجلس الأمن على بلورة صيغة تحظى بإجماع أعضائه بشأن مستقبل البعثة ومهامها.
وكان المشروع الأمريكي قد تضمن تصورا يتجاوز التمديد السنوي التقليدي لولاية المينورسو، من خلال طرح توجه لإعادة هيكلة البعثة ومراجعة طبيعة اختصاصاتها، مع ربط مستقبلها بتطور المسار السياسي، في سياق دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
في المقابل، عكس الفيتو الروسي اعتراض موسكو على الصيغة التي تضمنها المشروع الأمريكي، بينما لم ينجح المقترح الروسي البديل في الحصول على العدد الكافي من الأصوات، قبل أن تستخدم واشنطن حق النقض ضده.
وفي ظل هذه المعطيات، يكتسب اجتماع 10 نونبر أهمية باعتباره محطة لمناقشة تداعيات الانقسام داخل مجلس الأمن، واستعراض مواقف الدول الأعضاء من التطورات الأخيرة المرتبطة بقضية الصحراء المغربية.
كما يأتي في مرحلة تتسم بتحول وضع المينورسو من بعثة ذات حضور ميداني إلى عملية تصفية إدارية ولوجستية، ما يفتح النقاش أمام طبيعة الدور الذي يمكن أن تواصل الأمم المتحدة الاضطلاع به، وحدود انخراطها في المرحلة المقبلة، سواء على مستوى الوساطة السياسية أو مواكبة التطورات المرتبطة بالوضع الميداني.