مسودة القرار الأمريكي حول الصحراء المغربية تحت مجهر د. بلقاضي

تجمع مسودة مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية، المؤرخة في 20 أكتوبر 2026، بين أبعاد سياسية ومؤسساتية وأمنية تتجاوز مسألة التجديد الاعتيادي لولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو). فالوثيقة، وفق مضامينها المتداولة، تطرح مراجعة للإطار الذي تدار ضمنه العملية السياسية، وتعيد فتح النقاش بشأن طبيعة المهمة الأممية ومستقبل حضورها الميداني، فضلاً عن المرجعية التي ينبغي أن تستند إليها المفاوضات الرامية إلى إنهاء النزاع.

وتكمن أهمية هذه المسودة في الصياغة التي تقترحها بشأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وفي المقتضيات المرتبطة بإعادة هيكلة المينورسو وتقليص مكونها العسكري، إلى جانب توسيع المشاورات مع مكونات المجتمع الصحراوي واستكمال تسجيل سكان مخيمات تندوف. وإذا احتفظ النص النهائي بهذه التوجهات، فإن الأمر لن يتعلق بمجرد تعديل تقني لولاية بعثة أممية، بل بتحول محتمل في طريقة إدارة النزاع وفي الأدوات التي تعتمدها الأمم المتحدة لمواكبة مساره السياسي.

الكاتب: د.ميلود بلقاضي
د.ميلود بلقاضي

ومع ذلك، تقتضي القراءة الموضوعية التمييز بين ما تتضمنه المسودة، وما يمكن استنتاجه من توجهاتها، وما لا يزال رهيناً بمشاورات أعضاء مجلس الأمن والتعديلات التي قد تطرأ على النص قبل التصويت عليه. فالمسودة، مهما كانت دلالاته السياسية، لا يكتسب صفة القرار المعتمد بمجرد توزيعه، ولا يمكن ترتيب آثار قانونية نهائية على مقتضياته قبل اتضاح الصيغة التي سيعتمدها المجلس نهاية هذا الشهر.

أولاً: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية وإعادة تحديد مرجعية المفاوضات

يبرز الحكم الذاتي في صلب المسودة الأمريكية، ولا سيما في المادة التاسعة، التي تشير، وفق النص المتداول، إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي في ظل السيادة المغربية يمثل الحل الوحيد القابل للتطبيق لقضية الصحراء الغربية. وتكمن أهمية هذه الصياغة في أنها تتجاوز مجرد الإشارة إلى المبادرة المغربية باعتبارها أحد المقترحات المطروحة، لتضعها في موقع متقدم داخل الإطار الذي تقترح الوثيقة أن تنتظم حوله المفاوضات المقبلة.

والفارق هنا جوهري؛ إذ إن اعتماد مبادرة الحكم الذاتي مرجعاً حصرياً للتفاوض، إذا استقر عليه النص النهائي، من شأنه أن يغير طبيعة النقاش السياسي. فبدلاً من استمرار التفاوض بين تصورات متعارضة بشأن الوضع النهائي للإقليم، يصبح المجال مفتوحاً أمام مناقشة التفاصيل المؤسساتية والسياسية للمبادرة المغربية، بما يشمل اختصاصات المؤسسات المحلية، والعلاقة بينها وبين السلطات المركزية، والضمانات القانونية اللازمة لتنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.

ومن هذه الزاوية، تكتسب المسودة أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، لأنها تتجه نحو تثبيت مرجعية محددة للمفاوضات، بما قد يقلص مساحة المناورة بشأن الإطار العام للحل. غير أن ذلك لا يعني أن جميع الأطراف أصبحت ملزمة قانونياً بقبول التسوية المقترحة، ولا أن المفاوضات فقدت ضرورتها؛ فنجاح أي مسار سياسي يظل مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف المعنية للانخراط فيه، وبالقدرة على تحويل المرجعية السياسية إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ.

كما أن وصف الحكم الذاتي بأنه الحل الوحيد القابل للتطبيق، إذا ورد في القرار النهائي، لا ينبغي الخلط بينه وبين إعلان انتهاء النزاع. فالتسوية السياسية لا تتحقق بمجرد تحديد الإطار الذي ستجرى ضمنه المفاوضات، وإنما تحتاج إلى اتفاق بشأن مضمونه وشروط تنفيذه والضمانات المرتبطة به. ولذلك، فإن المكسب السياسي المحتمل للمغرب يتمثل أساساً في تعزيز موقع مبادرته داخل المسار الأممي، وليس في افتراض أن جميع مراحل التسوية قد حسمت مسبقاً.

ثانياً: إعادة هيكلة المينورسو.. من منطق الاستفتاء إلى أفق المهمة السياسية

إذا كان تحديد مرجعية الحل يمثل البعد السياسي الأبرز في المسودة، فإن إعادة هيكلة المينورسو تشكل أحد أهم أبعادها المؤسساتية. فالوثيقة تقترح تغيير اسم البعثة إلى بعثة الأمم المتحدة للحل السياسي في الصحراء الغربية (MINUSO)، وإنهاء ولايتها الحالية لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، على أن تواصل عملها ابتداءً من فاتح ماي 2027 بصفتها بعثة سياسية خاصة إلى غاية 31 أكتوبر من السنة نفسها.

وتحمل هذه المقترحات دلالة تتجاوز تغيير التسمية الرسمية للبعثة. فمنذ إنشائها سنة 1991، ارتبط اسم المينورسو بمهمة الاستفتاء، في إطار تسوية أممية لم يتحقق هدفها الأصلي. أما الصيغة الجديدة المقترحة، فتتجه نحو إعادة تعريف الوظيفة الأساسية للحضور الأممي، من خلال ربطه بصورة أوضح بمواكبة العملية السياسية وتيسير المفاوضات.

لكن الانتقال من بعثة لحفظ السلام إلى بعثة سياسية خاصة لا يعني بالضرورة اختفاء جميع الوظائف الأمنية أو انتهاء الحاجة إلى مراقبة التطورات الميدانية. فطبيعة المهمة الجديدة واختصاصاتها ومواردها ستتوقف على التفاصيل التي ستحددها الصيغة النهائية للقرار، وعلى المقترحات التي سيقدمها الأمين العام للأمم المتحدة بشأن هيكلتها ووسائل عملها.

ومن ثم، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق بالاسم الجديد وحده، بل بمدى قدرة البعثة المقترحة على مواكبة المفاوضات بصورة فعالة، وتوفير المعلومات اللازمة لمجلس الأمن، والحفاظ على الحد الضروري من الاستقرار الميداني خلال المرحلة الانتقالية. فإعادة الهيكلة قد تفتح الباب أمام مقاربة أكثر ارتباطاً بالتسوية السياسية، لكنها تحتاج إلى تصور مؤسساتي واضح يمنع حدوث فراغ في المهام أو اضطراب في آليات المتابعة.

ثالثاً: تقليص المكون العسكري وإعادة ترتيب الأولويات الأمنية

تتضمن المسودة، في مادتها الرابعة وفق النص المتداول، توجيهاً بالشروع في التخفيض التدريجي للمكون العسكري النظامي للبعثة، بما يشمل تقليص عدد العناصر المرخص بها بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول 31 يناير 2027، إلى جانب إغلاق بعض المواقع الميدانية ودمج أخرى.

ويرتبط هذا المقترح بصورة مباشرة بالتحول المؤسساتي الذي تستهدفه الوثيقة. فإذا كانت البعثة ستنتقل إلى وظيفة سياسية خاصة، فمن الطبيعي أن يطرح النقاش بشأن حجم مكونها العسكري وملاءمته لطبيعة المهام الجديدة. غير أن هذا التفسير لا يلغي الحاجة إلى تقييم النتائج الأمنية المحتملة للتقليص المقترح، خصوصاً في منطقة لا تزال تعرف توترات مرتبطة باستمرار النزاع.

ومن الناحية العملية، فإن خفض عدد العناصر العسكرية لا يكفي وحده للحكم على نجاح إعادة الهيكلة أو فشلها. فالأمر يتطلب معرفة المهام التي ستستمر البعثة في أدائها، والمواقع التي ستحتفظ بها، ووسائل المراقبة والتواصل التي ستعتمدها، ومدى قدرتها على رصد التطورات الميدانية وإعداد تقارير دقيقة بشأنها.

وعليه، فإن تقليص المكون العسكري يمكن أن يمثل جزءاً من إعادة ترتيب الأولويات الأممية، لكنه ليس دليلاً مستقلاً على أن الوضع الأمني أصبح مستتباً أو أن الحاجة إلى المتابعة الميدانية قد انتفت. فنجاح التحول المقترح يظل رهيناً بالتوازن بين تقليص الموارد العسكرية وتوفير الأدوات الضرورية لمواكبة المسار السياسي والحفاظ على الاستقرار.

رابعاً: توسيع المشاورات وإعادة النظر في التمثيلية الصحراوية

من المقتضيات اللافتة في المسودة دعوتها إلى توسيع دائرة المشاورات التي يجريها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، لتشمل طيفاً أوسع من مكونات المجتمع الصحراوي، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات تندوف أو ضمن الجالية الصحراوية في الخارج، مع تضمين نتائج هذه المشاورات في تقارير الأمين العام.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية سياسية لأنها تفتح المجال أمام الاستماع إلى أصوات لا تقتصر بالضرورة على الأطراف الرسمية المشاركة في المفاوضات. فالنزاع، بالنظر إلى امتداداته التاريخية والاجتماعية والإنسانية، لا يتعلق فقط بمواقف الحكومات والقيادات السياسية، وإنما يرتبط أيضاً بمستقبل السكان المعنيين وتصوراتهم بشأن التمثيل السياسي والتدبير المحلي والحقوق والضمانات.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين توسيع دائرة المشاورات وبين تغيير الوضع التمثيلي للأطراف المعنية أو إقرار صيغة جديدة للتمثيل السياسي. فالمشاورات الموسعة يمكن أن تسهم في إثراء النقاش الأممي، وتوفير معطيات إضافية بشأن انتظارات السكان، لكنها لا تعني تلقائياً إلغاء الأدوار القائمة أو حسم الخلاف بشأن من يمثل الصحراويين في المفاوضات.

وتبقى القيمة الفعلية لهذا المقتضى مرتبطة بكيفية تنفيذ المشاورات، ومدى اتساعها واستقلاليتها، والطريقة التي ستنعكس بها نتائجها على التقارير الأممية وعلى النقاش السياسي. فكلما كانت العملية أكثر شمولاً وشفافية، أمكن أن تسهم في بناء تصور أوضح بشأن الجوانب الاجتماعية والمؤسساتية لأي تسوية مستقبلية.

خامساً: المسودة الامريكية تفرض احصاء المحتجرين بتندوف خلال ستة أشهر وفقاً للقانون الدولي

لا تقتصر المسودة الأمريكية على الجوانب السياسية والعسكرية، بل تتضمن أيضاً مقتضيات تتصل بالأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف. ومن أبرزها الدعوة إلى استكمال تسجيل السكان خلال ستة أشهر، تحت إشراف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وفقاً للقانون الدولي والمعايير المعتمدة، مع ضمان الوصول دون عوائق وحرية التنقل اللازمة لإتمام العملية.

وتستمد هذه المسألة أهميتها من ارتباط التسجيل بتحديد الاحتياجات الإنسانية، وتحسين دقة المعطيات السكانية، وتوجيه المساعدات على أساس معلومات أكثر وضوحاً. كما يمكن أن يوفر التسجيل الفردي، إذا نُفذ بصورة مهنية ومستقلة، قاعدة بيانات تساعد على تقييم الأوضاع الإنسانية وتقدير الاحتياجات المرتبطة بالحلول الدائمة والطوعية للأشخاص المعنيين.

لكن أهمية هذا المقتضى لا ينبغي أن تحجب طبيعته القانونية والإنسانية. فالتسجيل، في حد ذاته، إجراء يرمي إلى ضبط المعطيات السكانية وتحسين الاستجابة الإنسانية، ولا يجوز اعتباره دليلاً تلقائياً على نتيجة سياسية معينة أو أساساً كافياً لحسم وضع السكان المعنيين.

كما أن نجاح العملية يقتضي ضمان تعاون الجهات المعنية، وتوفير الشروط اللازمة لعمل المفوضية السامية، واحترام المعايير الدولية ذات الصلة. ومن ثم، فإن المسألة لا تتعلق فقط بمهلة زمنية محددة، بل بمدى توافر الضمانات التي تسمح بإجراء التسجيل بصورة مستقلة وموثوقة، وبما يخدم الأهداف الإنسانية المعلنة.

سادساً: إدانة الهجوم على السمارة ورسالة وقف الأعمال العدائية

تشير المسودة، وفق ما ورد في النص المتداول، إلى الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة في 5 ماي 2026، كما تتضمن موقفاً ينتقد إخفاق أحد الأطراف في الانخراط بصورة جدية في المفاوضات التي جرى تيسيرها بموجب القرار 2797 لسنة 2025، وتؤكد أهمية التزام الأطراف بوقف الأعمال العدائية وتجنب أي تصرف من شأنه تعريض المسار السياسي للخطر.

وتكمن أهمية هذا المقتضى في أنه يربط بين المسؤولية السياسية عن استمرار المفاوضات وبين ضرورة تجنب التصعيد الميداني. فالمسار التفاوضي لا يمكن أن يحقق تقدماً مستداماً إذا استمرت الأعمال العدائية أو ظلت الثقة بين الأطراف غائبة.

ومن منظور المغرب، فإن إدراج الهجوم على السمارة ضمن الاعتبارات التي يتناولها المشروع يكتسب أهمية سياسية وأمنية، بالنظر إلى ما يمثله استهداف المناطق المدنية من مخاطر على الاستقرار. ومع ذلك، ينبغي عند نشر المقال مطابقة الصياغة المتعلقة بالإدانة وهوية الطرف المسؤول مع النص الأصلي للمسودة، حتى لا يُنسب إلى الوثيقة موقف محدد يتجاوز ما ورد فيها فعلياً.

كما أن التأكيد على وقف الأعمال العدائية لا يعني أن جميع المخاطر الأمنية قد زالت، بل يعكس الحاجة إلى توفير بيئة تساعد على استئناف المفاوضات وتمنع التطورات الميدانية من تقويض أي تقدم سياسي محتمل.

سابعاً: مهلة 15 ديسمبر 2026 ودور الأمين العام في إعداد المرحلة الانتقالية

تطلب المادة الثالثة من المسودة، وفق النص المتداول، من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم مقترحات مفصلة إلى مجلس الأمن قبل 15 ديسمبر 2026، بشأن ولاية البعثة السياسية الخاصة وهيكلها وموظفيها واحتياجاتها من الموارد. وتشمل هذه المقترحات ترتيبات إعداد التقارير، وإزالة الألغام، ودعم العملية السياسية، وإعادة استخدام هياكل الدعم القائمة للبعثة.

ويكشف هذا المقتضى أن التغيير المقترح لا يقتصر على تعديل الاسم أو تقليص عدد العسكريين، بل يستلزم إعادة بناء الإطار التنظيمي الذي ستعمل ضمنه البعثة خلال المرحلة المقبلة. فالمهمة السياسية تحتاج إلى تحديد واضح لاختصاصاتها، وإلى موارد بشرية ومالية تتناسب مع طبيعة عملها، وإلى آليات تضمن التنسيق بين الوساطة الأممية والمتابعة الميدانية.

وتشير التقارير المنشورة بشأن المسودة إلى وجود تحركات تفاوضية واتصالات مرتبطة بالمسار السياسي، بمشاركة الأطراف المعنية، بما فيها المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو. وتبرز مشاركة هذه الأطراف أهمية البعد الإقليمي في البحث عن تسوية، بالنظر إلى امتدادات النزاع وانعكاساته على العلاقات بين دول المنطقة.

غير أن الإشارة إلى هذه التحركات لا تكفي وحدها للقول إن اتفاقاً نهائياً أصبح قريباً أو إن الأطراف وافقت على جميع عناصر المقترح الأمريكي. فالمفاوضات، بطبيعتها، تظل مجالاً لتبادل المواقف والبحث عن التوافقات، ولا يمكن تقييم نتائجها بصورة دقيقة إلا استناداً إلى معطيات موثوقة بشأن ما تحقق فعلياً.

ثامناً: مستقبل المينورسو وحدود التحول في الدور الأممي

تقترح المسودة تحولاً مزدوجاً يتمثل في إعادة تحديد مرجعية الحل السياسي ومراجعة وظيفة الآلية الأممية التي تواكب النزاع. وإذا اعتُمدت هذه المقتضيات، فستكون الأمم المتحدة أمام مرحلة انتقالية تتطلب إعادة توزيع الموارد وتحديد الاختصاصات وتقييم النتائج.

لكن التحول من بعثة لحفظ السلام إلى بعثة سياسية خاصة لا يعني بالضرورة تراجع دور الأمم المتحدة، بقدر ما قد يعكس محاولة لإعادة توجيه هذا الدور نحو مواكبة المفاوضات بصورة أكثر مباشرة. ويتوقف نجاح هذه المقاربة على طبيعة الصلاحيات التي ستمنح للبعثة الجديدة، وعلى قدرتها على تقديم تقارير دقيقة، ودعم المبعوث الشخصي، وتوفير الشروط اللازمة لاستمرار المسار السياسي.

وفي المقابل، فإن تقليص الحضور العسكري وإعادة تنظيم المواقع الميدانية يطرحان أسئلة مشروعة بشأن آليات مراقبة الوضع الأمني خلال المرحلة الانتقالية. ولذلك، فإن أي تغيير في بنية البعثة ينبغي أن يستند إلى تقييم دقيق للمخاطر والاحتياجات، حتى لا يؤدي تقليص الموارد إلى إضعاف وظائف المتابعة الضرورية.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تغيير التسمية الرسمية للمينورسو، وإنما في مدى قدرة البعثة الجديدة على الانتقال من نموذج مؤسساتي ارتبط بمسار سياسي متعثر إلى نموذج يساهم بصورة أكثر فعالية في تيسير التسوية. فإعادة الهيكلة تظل وسيلة لتحقيق غاية سياسية، وليست في حد ذاتها ضمانة لإنهاء النزاع.

تاسعاً: بين التحول السياسي والحسم النهائي.. ضرورة التمييز بين المسودة والقرار

من الصعب تجاهل الأهمية السياسية للمسودة الأمريكية، بالنظر إلى الصياغة المتعلقة بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، والمقترحات التي تمس مستقبل المينورسو ومكونها العسكري. غير أن تقييم آثارها يقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات أساسية.

يتعلق المستوى الأول بالمضامين الواردة في المشروع، وفي مقدمتها المقترح المرتبط بمرجعية الحكم الذاتي، وتغيير طبيعة البعثة الأممية، وتوسيع المشاورات، واستكمال تسجيل سكان مخيمات تندوف. وهذه المقتضيات يمكن تحليلها باعتبارها مؤشرات على التوجه الذي يقترحه صاحب المشروع بشأن مستقبل العملية السياسية.

أما المستوى الثاني، فيرتبط بما ستسفر عنه المشاورات داخل مجلس الأمن. فالصياغات الواردة في المسودة قد تخضع لتعديلات نتيجة مواقف الدول الأعضاء، وقد تتغير بعض المقتضيات أو حدودها القانونية والسياسية قبل التصويت النهائي.

ويهم المستوى الثالث النتائج العملية التي قد تترتب على اعتماد القرار. فحتى إذا احتفظ النص النهائي بأبرز توجهاته، فإن تنفيذها سيحتاج إلى ترتيبات مؤسساتية ومفاوضات سياسية وتعاون من الأطراف المعنية. كما أن نجاح أي تسوية سيظل مرتبطاً بمدى الاتفاق على تفاصيلها وضمانات تنفيذها.

ويكتسي هذا التمييز أهمية خاصة في قضية الصحراء المغربية، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع المرجعيات القانونية الأممية. ولذلك، فإن القراءة الصحفية الرصينة لا تقلل من أهمية التحولات المحتملة، لكنها لا تحولها في الوقت نفسه إلى نتائج نهائية قبل استكمال المسار المؤسساتي اللازم.

عاشراً: التدابير الإضافية ومسؤولية الأطراف في إنجاح المسار السياسي

تتضمن المسودة، وفق النص المتداول، إشارة إلى إمكانية نظر مجلس الأمن في اتخاذ تدابير إضافية إذا أخفقت الأطراف في الانخراط بصورة بناءة في المسار السياسي. وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من كونها تربط استمرار الجهود التفاوضية بمسؤولية الأطراف عن إظهار تعاون فعلي، بدلاً من الاكتفاء بتبادل المواقف أو إعلان الرفض.

غير أن الحديث عن تدابير إضافية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إعلاناً عن عقوبات محددة أو إجراءات محسومة سلفاً، ما لم يحدد النص النهائي طبيعتها وأساسها القانوني. فالمجلس يظل الجهة التي ستقرر، في ضوء الصياغة المعتمدة والتطورات اللاحقة، ما إذا كانت هناك حاجة إلى اتخاذ خطوات إضافية، وما الشكل الذي يمكن أن تتخذه.

ومن منظور سياسي، قد يشكل هذا المقتضى رسالة إلى الأطراف المعنية بضرورة التعامل بجدية مع المسار التفاوضي. لكنه لا يعفي من ضرورة توفير شروط التفاوض الفعلي، ولا يحسم مسبقاً نتائج المفاوضات أو طبيعة التسوية التي يمكن أن تنتهي إليها.

الحادي عشر: مسودة ذات دلالات استراتيجية، لكن الحسم يظل رهيناً بالمسار الأممي ليوم 31 اكتوبر 2026

تطرح المسودة الأمريكية بشأن الصحراء المغربية مجموعة من المقترحات التي قد تمثل، إذا احتفظ بها القرار النهائي، تحولاً مهماً في إدارة النزاع. ويبرز الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في صلب هذا التحول، إلى جانب إعادة هيكلة المينورسو وتقليص مكونها العسكري، وتوسيع دائرة المشاورات، واستكمال تسجيل سكان مخيمات تندوف، وربط المرحلة المقبلة بإعادة تنظيم الحضور الأممي وتكثيف الجهود السياسية.

وتكمن الأهمية الاستراتيجية للمشروع في أنه يفتح النقاش بشأن مدى ملاءمة الإطار المؤسساتي القائم مع متطلبات التسوية السياسية. كما أنه يطرح إمكانية الانتقال من التركيز على تجديد ولاية البعثة الأممية إلى مراجعة وظيفتها ووسائل عملها والمرجعية التي تستند إليها العملية التفاوضية.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن تثبيت الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية مرجعيةً للمفاوضات، إذا جرى اعتماده بالصيغة المقترحة، سيعزز موقع المبادرة المغربية داخل المسار الأممي. غير أن الاستفادة من هذا التطور ستظل مرتبطة بالقدرة على مواصلة العمل الدبلوماسي، وتقديم تصور واضح بشأن ترتيبات الحكم الذاتي، والانخراط في المفاوضات بما يسمح بتحويل المكاسب السياسية إلى نتائج عملية.

وعليه، فإن وصف المسودة بأنها تحول مهم قد يكون مبرراً بالنظر إلى مضامينها واتجاهاتها، أما اعتبارها حاسمة للنزاع بصورة نهائية فيظل استنتاجاً سابقاً لأوانه. فالمسافة بين مشروع قرار يحمل توجهاً سياسياً واضحاً وبين تسوية تنهي نزاعاً امتد لعقود تظل رهينة بما سيعتمده مجلس الأمن، وبما ستسفر عنه المفاوضات، وبقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من مواقفها المعلنة إلى اتفاق سياسي قابل للتنفيذ.

انها مسودة حصار للنظام الجزائري وللجبهة الانفصالية ،ومسودة الحسم النهائي لنزاع طال اكثر من اللازم بسبب تساهل المجتمع الدولي مع نظام عسكري يعاني من عقدة المغرب.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *