انتخابات 23 شتنبر 2026: تغيير في الخريطة الحزبية وأزمة في الثقة السياسية

انتخابات في سياق دولي مضطرب وتحديات داخلية متراكمة

جرت انتخابات 23 شتنبر 2026 في سياق دولي وإقليمي بالغ التعقيد، تتراجع فيه قدرة النظام الدولي على إنتاج الاستقرار، وتتداخل فيه الصراعات الجيوسياسية مع رهانات الطاقة والهجرة والأمن والتجارة، وفي قلب هذه التحولات، دخلت قضية الصحراء المغربية إلى مرحلة أكثر حساسية في ضوء التحولات داخل مجلس الأمن ومواقف القوى الدولية رغم أن قرار مجلس الأمن الصادر في أكتوبر 2025 دفع نحو مفاوضات تستند إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي، غير أن النزاع لم يُحسم بعد، ولا تزال تسويته رهينة بمسار تفاوضي معقد ومواقف متعارضة.

وتزداد البيئة الإقليمية تعقيدا بفعل طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية، التي عرفت خلال السنوات الأخيرة تعاونا واسعا في مجالات الأمن والهجرة والاقتصاد، لكن أحداث النزوح الجماعي نحو سبتة في صيف 2026 أعادت هذه الإشكالات إلى الواجهة، بما يؤكد أن تدبير العلاقات مع الشركاء الأوروبيين والجوار الإقليمي يقتضي مؤسسات سياسية قادرة على استيعاب الأزمات وتدبير التوازنات.

ولا تقل التحديات الداخلية أهمية عن هذه التحولات الخارجية، فالمغرب يواجه اختلالات بنيوية في سوق الشغل، وصعوبات في إدماج الشباب، وفوارق مجالية واجتماعية، وتفاوتا في الاستفادة من ثمار النمو والاستثمارات العمومية. وتكشف المعطيات الواردة في التقارير الاقتصادية عن استمرار ارتفاع بطالة الشباب، واتساع فئة غير المنخرطين في التعليم أو العمل أو التكوين.

في مثل هذه الظروف، يحتاج المغرب إلى حكومة قوية قادرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، وبرلمان يمارس وظائف التشريع والرقابة بفعالية، ومؤسسات سياسية تستعيد ثقة المواطنين. ومن هنا تكتسب نتائج انتخابات 23 شتنبر أهميتها، باعتبارها اختبارا لقدرة النظام الحزبي على الاستجابة للتحولات الاجتماعية والسياسية.

نتائج الانتخابات: تغيير في صدارة المشهد دون قطيعة مع الأغلبية السابقة

أفرزت الانتخابات حزب الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى بـ97 مقعدا، متقدما على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا والاستقلال بـ65، فيما عاد حزب العدالة والتنمية بقوة إلى مجلس النواب بـ54 مقعدا، ثم جاءت الحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17، فيما حصل كل من الحركة الديمقراطية الاجتماعية وتحالف اليسار على ثمانية مقاعد.

القراءة الأولى لهذه النتائج تقود إلى مفارقة أساسية: نحن أمام تغيير في الرتبة الأولى أكثر مما نحن أمام تغيير جذري في البنية العامة للأغلبية المحتملة.

فالأحزاب الثلاثة التي شكلت الحكومة السابقة، الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال حصلت مجتمعة على 228 مقعدا، أي أكثر من الأغلبية المطلقة المطلوبة في مجلس النواب، والمحددة

في 198 مقعدا، وهو ما يجعلنا أمام سيناريو الاستمرارية الذي أشرنا له في مقال سابق.

لكن ذلك لا يعني أن الحكومة السابقة عادت بالصيغة نفسها، فالأرقام أحدثت تحولا مهما في موازين القوة داخل هذا الثلاثي، التجمع الوطني للأحرار انتقل من 102 مقعدا سنة 2021 إلى 66، أي فقد 36 مقعدا، والاستقلال تراجع من 81 إلى 65، أي 16 مقعدا، أما الأصالة والمعاصرة فانتقل من 86 إلى 97، بزيادة 11 مقعداً وفق المقارنة مع النتائج الرسمية السابقة.

وهكذا فإن الانتخابات أكدت أن الحزب الذي قاد الحكومة السابقة دفع ثمنا انتخابيا، لكن جزءا مهما من قوتها الحزبية ظل قادرا على إعادة إنتاج نفسه داخل الأغلبية المحتملة، مع انتقال مركز الثقل من التجمع الوطني للأحرار إلى الأصالة والمعاصرة، وهذه نقطة أساسية لفهم ما بعد 23 شتنبر.

 

نسبة المشاركة الانتخابية وسؤال الثقة في السياسة

بلغت المشاركة الرسمية 38.02%، مقابل نحو 50% في انتخابات 2021، لتكون من أدنى نسب المشاركة في الانتخابات التشريعية المغربية خلال العقود الأخيرة، بعد انتخابات 2007 التي بلغت فيها نسبة المشاركة 37%، لكن هذا الرقم يحتاج إلى قراءة سوسيولوجية وسياسية أوسع.

فعدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بلغ 15,801,162 ناخبا، وبما أن نسبة المشاركة بلغت 38.02%، فإن عدد الذين أدلوا بأصواتهم يدور حول ستة ملايين ناخب.

وفي المقابل، فإن عدد البالغين المؤهلين للتصويت يقارب 26.7 مليون شخص، وهذا يعني أن هناك فارقا كبيرا بين من يحق لهم التصويت ومن سجلوا أنفسهم، ثم بين هؤلاء وبين من ذهبوا فعليا إلى صناديق الاقتراع، فإذا استخدمنا قاعدة تقارب 26.7 مليونا، فإن نحو ستة ملايين مصوت تعادل تقريبا 22.5% من هذه القاعدة الأوسع.

صحيح أنه لا يمكن اعتبار كل الممتنعين عن التسجيل أو التصويت كتلة واحدة، فهناك من لا يهتم بالسياسة أصلا وهناك من فقد الثقة في الأحزاب وهناك من يرى أن التصويت لا يغير شيئا، وهناك من يرفض المشاركة لأسباب مبدئية، وهناك من لم يجد مرشحا أو حزبا يعبر عنه، وهناك من تحول التصويت بالنسبة إليه إلى علاقة منفعة مباشرة، لذلك من الخطأ اختزال العزوف في “اللامبالاة”.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في كون المواطن لم يصوت، بل في كون عدد كبير من المواطنين لم يعد يرى في التصويت أداة فعالة لإنتاج التغيير، وهذه مشكلة تختلف عن مجرد ضعف التعبئة الانتخابية.

 

تقدم الأصالة والمعاصرة وتراجع التجمع الوطني للأحرار..

كيف استطاع حزب شارك في الحكومة السابقة أن يتحول إلى المستفيد الأساسي من إعادة ترتيب موازين القوة داخلها؟

لقد استفاد الحزب من التحاق أحد الشخصيات المشهورة في الأوساط الشعبية وهو فوزي لقجع رئيس

الجامعة الملكية لكرة القدم ووزير الميزانية في الحكومة المنتهية ولايتها، وقد قاد الحملة الانتخابية لفائدة

الأصالة والمعاصرة مسلحا بالأرقام والإحصائيات التي تدين سياسة رئيس الحكومة في المجال الاجتماعي وتتهمه بسوء التدبير وضعف الحكامة، وهو ما جعل عبئ التدبير الحكومي يقع على عاتق الحزب الذي

يقود الحكومة..

لكن بالرغم من هذا الانتصار الانتخابي فإن هناك شبهات فساد تحوم حول الطريقة التي تحصل بها على

مجموعة من المقاعد، وفي هذا السياق تبرز قضية مدرسة القدس بطنجة، حيث تم ضبط أوراق انتخابية

في محيط مركز الاقتراع، وأعلنت النيابة العامة فتح بحث، ثم اتسعت التحقيقات وأوقف عدد من

الأشخاص، من بينهم عمدة مدينة طنجة والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، كما أفادت تقارير بأن

الأوراق كانت تحمل علامات تصويت لفائدة رمز الأصالة والمعاصرة وخاتما إداريا، ولا تزال التحقيقات القضائية جارية لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات.

وتزداد أهمية القضية لأن المجلس الوطني لحقوق الإنسان سجل بدوره واقعتين في طنجة أثارتا مخاوف بشأن نزاهة العملية الانتخابية، وأحال تقارير مرتبطة بهما إلى النيابة العامة، داعيا إلى إعلان نتائج التحقيقات. .

أما التجمع الوطني للأحرار فقد دفع فاتورة خمس سنوات من التسيير الحكومي، فالحزب الذي يقود الحكومة يصبح، بحكم موقعه، المسؤول السياسي الأول في نظر الناخب عن الحصيلة، حتى وإن كانت الحصيلة في الواقع نتاج قرارات جماعية للحكومة والائتلاف.

وقد واجهت الحكومة السابقة ملفات شديدة الحساسية من قبيل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، البطالة، التعليم، الصحة، وتفاوت الاستفادة من النمو والاستثمار.

العدالة والتنمية…الفائز الأكبر في هذه الانتخابات

إن الانتقال من 13 إلى 54 مقعدا يعني أن الحزب ضاعف مقاعده لأكثر من أربع مرات، وبذلك يكون

الحزب قد استعاد جزءا مهما من حضوره البرلماني بعد انهيار 2021، وتفسير هذه العودة القوية يعود لعدة اعتبارات، أولها عودة عبد الإله بنكيران إلى قيادة الحزب، بما يمتلكه من قدرة خطابية وحضور مباشر وتفاعل سريع مع الأحداث، وثانيها الأداء القوي لمجموعته البرلمانية من موقع المعارضة

ونجاحها في مساءلة مجموعة من الخيارات الحكومية، وخصوصا الملفات المرتبطة بتضارب المصالح وتركيز الصفقات العمومية في شركات محددة وغيرها، وثالثها التماسك التنظيمي الداخلي والقدرة على التعبئة الداخلية، ورابعها موقف الحزب من الحرب على غزة والعلاقات مع إسرائيل وهو ما جعله يتموقع في مقدمة القوى الحزبية الرافضة للتطبيع. والأهم أن الحزب تجاوز نكسة 8 شتنبر 2021، وأكد عافيته التنظيمية واستعاد جزءا من مكانته السياسية كحزب ينتمي إلى دائرة الأحزاب الكبرى في المغرب.

الأحزاب المتوسطة وتحولات التمثيل السياسي..

لم تقتصر التحولات على الأحزاب الكبرى، بل شملت أيضا أحزاب الوسط واليسار، فقد تراجع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من 34 إلى 26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية من 22 إلى 19 مقعدا، بما يعكس استمرار الصعوبات التي تواجه بعض الأحزاب ذات الامتداد التاريخي في الحفاظ على رصيدها الانتخابي.

في المقابل، حقق تحالف اليسار، الذي يضم الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، ثمانية مقاعد، وهي نتيجة لافتة بالنظر إلى محدودية تمثيله البرلماني في الاستحقاقات السابقة. ويمكن قراءة هذا التقدم باعتباره مؤشرا على وجود فئات انتخابية أبدت استعدادا للتفاعل مع خطاب يساري، وإن كان تحديد طبيعة هذه الفئات ودوافع تصويتها يقتضي معطيات إضافية.

وتكشف هذه النتائج عن خريطة حزبية لا تتغير بالضرورة عبر اختفاء الأحزاب التقليدية، وإنما من خلال إعادة توزيع الأصوات والمقاعد، وظهور فرص جديدة أمام قوى كانت تعاني ضعف التمثيل، ويبقى التحدي بالنسبة إلى هذه الأحزاب هو تحويل المكاسب الانتخابية إلى حضور سياسي وبرلماني مستمر، قادر على تجاوز حدود الظرفية الانتخابية.

تشكيل الحكومة بين منطق الأرقام ورهان التغيير

يوم الثلاثاء 29 شتنبر عين الملك محمد السادس السيدة فاطمة الزهراء المنصوري منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة رئيسة للحكومة طبقا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور، لكن الحزب لا يملك الأغلبية بمفرده، ولذلك سيحتاج إلى تحالف للوصول إلى 198 مقعدا، ومن هنا تبدو عدة سيناريوهات أولها إعادة تركيب التحالف الثلاثي السابق: الأصالة والمعاصرة، التجمع الوطني للأحرار والاستقلال. وهذه الصيغة تملك حسابيا 228 مقعدا، وتوفر استمرارية واضحة، لكنها في الوقت نفسه ستعتبر امتدادا للحكومة السابقة، وهو ما سينعدم معه الشعور بالتغيير لدى المواطن.

أما السيناريو الثاني فيقوم على استبعاد التجمع الوطني للأحرار وتوسيع التحالف ليشمل الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية، وهذه الصيغة، حسابيا، تتجاوز أيضا الأغلبية المطلقة، لكنها ستكون أكثر تعقيدا من حيث التفاوض والتنسيق وتوزيع المسؤوليات، وسيتضرر منها بالدرجة الأولى حزب التقدم والاشتراكية الذي بنى خطابه السابق على رفض توجهات حزب الأصالة والمعاصرة، وسيفقد حليفه السابق حزب العدالة والتنمية.هذا الأخير الذي أعلن اصطفافه في المعارضة بشكل مبكر، فيما يمثل تحالف اليسار كتلة أصغر خارج دائرة التحالفات الحكومية المحتملة.

ومع ذلك، فإن أي قراءة نهائية ستكون سابقة لأوانها قبل انتهاء المشاورات.

والخلاصة.. الامتحان الحقيقي هو استعادة الثقة

إن التحدي الأول للحكومة المقبلة يتمثل في تحويل الأغلبية العددية إلى أغلبية سياسية قادرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. فالحكومة ستواجه معارضة قوية يقودها حزب العدالة والتنمية، وستواجه، في الوقت نفسه، مجتمعا أظهر جزء كبير منه عزوفا عن المشاركة.

وهذا يعني أن الحكومة المقبلة ستحتاج إلى امتلاك القدرة على الإقناع، والوفاء بالوعود الانتخابية وتحقيق نتائج ملموسة في حياة المواطنين، فالمغرب يخلق استثمارات ومشاريع كبرى ويستعد لاستحقاقات دولية ضخمة، لكن سوق الشغل ما يزال يعاني من اختلالات بنيوية، خصوصا بالنسبة إلى الشباب، وتشير الأرقام الرسمية إلى أن بطالة الشباب بلغت 37.3% سنة 2025، فيما ظل نحو ربع الشباب بين 15 و24 سنة خارج التعليم والعمل والتكوين في الربع الثالث من السنة نفسها.

فالمغرب الذي يسير بسرعتين – مناطق تستفيد من التحول والاستثمار، ومناطق وفئات تشعر بأن المسافة بينها وبين ثمار النمو تتسع – يحتاج إلى سياسة عمومية قادرة على تقليص هذه الفجوة.

بالإضافة إلى التحديات المرتبطة بقضية الصحراء ومسار الحكم الذاتي والعلاقات مع الجزائر وإسبانيا، والاستعدادات لكأس العالم 2030 والفوارق المجالية والقدرة الشرائية والأهم هو إعادة بناء الثقة مع جيل جديد لم يعد يثق في الشعارات..

 

وهذا هو الامتحان الحقيقي للحكومة القادمة.

 

عبد العلي حامي الدين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *