يشهد جسم العدالة بالمغرب نقاشا قانونيا ومهنيا محدوما عقب صدور ومناقشة المستجدات التشريعية المنظمة لمهنة المحاماة التي تضمنه قانون رقم 66.23 بعد صدورها في الجريدة الرسمية ودخولها حيز التنفيذ، عقب سلسلة من الاحتجاجات والتصعيد من طرف المحامين.
ويرى أصحاب البذلة السوداء أن مجموعة من المواد المستحدثة تقوض الاستقلالية التاريخية للمهنة وتتدخل في التنظيم الذاتي للمؤسسات المهنية، فيما تعتبر الجهات التشريعية والتنفيذية أن هذه الإجراءات تأتي لتعزيز الشفافية للحسابات المالية وحماية حقوق المتقاضين وترسيخ الحكامة.
فيما يلي قراءة تفصيلية في أبرز المواد المعنية ومواطن الخلاف التي أثارت هذا السجال المهني والقانوني:
رقابة الوكيل العام للنقيب ومراقبة المكاتب (المادة 74)
نصت المادة 74 من النص القانوني على منح النقيب أو من ينتدبه من أعضاء مجلس الهيئة صلاحية مراقبة مكتب المحامي للتأكد من مدى احترامه للنصوص التشريعية والتنظيمية ومعاينة مسك الحسابات المنتظمة، وذلك إما تلقائيا أو بناء على طلب من الوكيل العام للملك المختص.
ويلزم التشريع النقيب بإشعار الوكيل العام للملك والمحامي المعني بنتائج هذه المراقبة. ويرى جانب من المحامين أن ربط إجراءات المراقبة الداخلية بإشعار أو طلب النيابة العامة يمثل تضييقا على الاستقلالية التي تمتع بها النقيب ومجلس الهيئة في تدبير الشؤون التأديبية والرقابية للمهن الحرة.
![]()
إخضاع ودائع المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات (المادتان 75 و76)
ألزمت المادة 75 بتأسيس حساب خاص بودائع وأداءات المحامين يديره مجلس كل هيئة، تودع فيه لزوما جميع المبالغ المسلمة للمحامين المسجلين كوديعة موجهة للموكلين، إضافة إلى أداءات الموكلين ومصاريفهم.
غير أن النقطة الأكثر إثارة للجدل تجسدت في المادة 76، التي أخضعت حساب ودائع وأداءات المحامين المنصوص عليه في المادة 75 لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، بهدف التحقق من قانونية وسلامة العمليات المالية والمحاسبية المرتبطة بالإيداع والسحب والتحويل والأداء وتتبع الأرصدة والفوائد.
وألزم النص مجلس كل هيئة بإعداد حساب سنوي خاص بهذه الودائع والأداءات وتقديمه داخل الآجال إلى المجلس الأعلى للحسابات. وأثار هذا المقتضى نقاشا دستوريا وقانونيا واسعا حول مدى ملاءمة إخضاع أموال خاصة تعود ملكيتها للمتقاضين لرقابة هيئة دستورية مختصة أساسا بمراقبة الأموال العمومية، واعتبره نقابيون مساسا بالاستقلال المالي والتنظيمي للهيئات.
تدقيق القيود المالية وإلزامية وسائل الأداء الإلكترونية (المواد 70 و71 و72 و73)
وشددت المواد من 70 إلى 73 القواعد الحسابية والضريبية على عمل المحامي؛ حيث أقر المبدأ المنصوص عليه في المادة 72 بضرورة تسليم المحامي لجميع المبالغ المالية أو السندات مقابل وصل مؤرخ وموقع ومحدد للتفاصيل الضريبية. كما فرض التشريع أن يتم أداء الأتعاب التي تتجاوز مبلغ 10,000 درهم بواسطة شيك أو إحدى وسائل الأداء بطريقة إلكترونية تحت طائلة عدم إكساؤها أي قوة إبرائية وتحمل المخالف للمسؤولية المالية.
إضافة إلى ذلك، ألزمت المادة 73 المحامي بمسك “دفتر يومي للحسابات” يتضمن المداخيل والمصاريف بدون بياض أو تشطيب أو فراغ بين السطور، مؤشر عليه من النقيب، مع اعتبار هذا الدفتر وسيلة إثبات مقبولة لدى الجهات المختصة في النزاعات الضريبية والحسابية ما لم يثبت عكس ذلك.
تحديد اقتطاعات الهيئة وتصفية الحسابات (المادة 77)
حددت المادة 77 كيفية تصفية المبالغ المودعة بحساب الودائع والأداءات بتسليم الجزء الخاص بالأتعاب والمصروفات للمحامي بناء على الاتفاق المبرم أو قرار تحديد الأتعاب النهائي، مع تسليم الباقي للمستحقين.
وأجازت المادة لمجلس الهيئة اقتطاع مبلغ من أتعاب المحامي المصفاة وفق أحكام التشريع، شريطة ألا يتجاوز هذا الاقتطاع نسبة 10% من الأتعاب المذكورة، وهو المقتضى الذي فتح باب النقاش حول الحدود الفاصلة بين التنظيم الذاتي لموارد الهيئات المهنية وبين التدخل التشريعي المباشر في سقوف اقتطاعاتها المادية.
جدل متواصل
بين التوجه التشريعي الرامي إلى تشديد الرقابة المالية وإدماج الممارسات المهنية في معايير الحكامة والشفافية وتحديث المنظومة القضائية، وبين تشبث الجسم المهني للمحامين بالأعراف المستقرة وضمانات الاستقلالية وحصانة الدفاع والتنظيم الذاتي، يظل قانون المحاماة الجديد محط جدل متواصل وتتبع واهتمام كبيرين من طرف كافة الفاعلين الحقوقيين والمهتمين بالشأن القضائي في المملكة.