تشهد الأقاليم الجنوبية للمملكة، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، حركية سياسية غير مسبوقة، بعد أن فجرت ترشيحات حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة صراعاً انتخابياً حامي الوطيس، أعاد رسم ملامح المشهد السياسي في واحدة من أكثر المناطق حساسية واستراتيجية على المستوى الوطني.
الأحرار ينزل بثقله في الداخلة
وفي أول رد فعل على التحركات المتسارعة لخصومه، نظّم حزب التجمع الوطني للأحرار، اليوم السبت، لقاءً تواصلياً ضخماً بمدينة الداخلة، ترأسه محمد شوكي، رئيس الحزب، وحضره عزيز أخنوش، رئيس الحكومة والرئيس السابق للحزب، إلى جانب عدد من أعضاء المكتب السياسي والقيادات المحلية والوطنية .
ويعتبر هذا النزول القوي في معقل الخصوم، محاولة من “الأحرار” لوقف نزيف المنتخبين والبرلمانيين الذين غادروا صفوفه خلال الأسابيع الأخيرة، واستعادة زمام المبادرة في جهة شهدت تحولات سياسية كبرى .
وفي كلمته خلال اللقاء، شن أخنوش هجوماً لاذعاً على حزب الأصالة والمعاصرة، في إشارة إلى استقطابه شخصيات وازنة في اللحظات الأخيرة، قائلاً: “بعض المنافسين توقفوا عن العمل لخمس سنوات وينتظرون آخر دقيقة لاستقطاب أسماء جديدة لإعداد اللوائح الانتخابية”، مضيفاً بعبارة لاقت انتشاراً واسعاً: “حنا ماشي في ميركاتو.. ولي عندو عندو ولي ما ماعندو ما عندو”.
وشدد أخنوش على أن قوة حزب التجمع الوطني للأحرار تنبع من مناضليه العشرة آلاف منتخب ومئات الآلاف من المنخرطين، معتبراً أن “الانتخابات ليست استعدادات في آخر لحظة وليست قائمة من الأسماء والوزراء الذين يمكن اللجوء إليهم في آخر دقيقة” .
البام يعزز حضوره باستقطاب شخصيات وازنة
في المقابل، نجح حزب الأصالة والمعاصرة خلال الأسابيع الماضية في تعزيز حضوره بالأقاليم الجنوبية من خلال استقطاب شخصيات ذات وزن انتخابي كبير، في خطوة اعتبرت الأبرز في المشهد السياسي بالمنطقة، علاوة على ما وصف بـ”صفقة الموسم” من خلال إعلان الحزب انضمام فوزي لقجع لى الحزب كأحد أبرز الاستقطابات التي أربكت خصوم الحزب أغلبية ومعارضة.
وكان أبرز هذه الاستقطابات هو انضمام الخطاط ينجا، رئيس مجلس جهة الداخلة وادي الذهب، قادماً من حزب الاستقلال، برفقة ثلاثة برلمانيين وشخصيات محسوبة على محيطه الحزبي، في انتقال أحدث هزة قوية داخل تنظيم “الميزان” وغير موازين القوى بالجهة .
كما أعلن الحزب، خلال المجلس الوطني الـ32 المنعقد اليوم بالرباط، عن ترشيح الخطاط عن دائرة الداخلة، إلى جانب قائمة مرشحيه في الأقاليم الجنوبية التي تضم: محمد سالم الجماني عن دائرة العيون، ميد الجماني عن دائرة السمارة، عبد الحي هرتون عن طرفاية، وعبد الله أدبدة عن بوجدور، في خطوة تعكس رغبة البام في تغطية شاملة لجهة العيون الساقية الحمراء .
الاستقلال يسعى لإعادة التموضع
وفي خضم هذا الصراع المحتدم بين حليفيه السابقين في الحكومة، يسعى حزب الاستقلال إلى إعادة ترتيب صفوفه وتعويض الخسائر التي تكبدها في المنطقة، حيث باشر استقطاب محمد بوبكر، البرلماني السابق ورئيس بلدية الكويرة الأسبق، الذي سينافس باسم الحزب عن دائرة أوسرد، في مسعى لتعويض الفراغ الذي خلفته مغادرة الخطاط ينجا ومجموعة من الأسماء المرتبطة به .
ويجد حزب “الميزان” نفسه اليوم أمام تحدي وجودي في الأقاليم الجنوبية، حيث يرى مراقبون أن استمرار الرهان على “أعيان الانتخابات” بدلاً من بناء حزب النخب والكفاءات، قد يعمق عزوف الكتلة الناخبة ويقوض فرصه في المنافسة على الصدارة .
مواجهة ثلاثية الأبعاد
ويصف متابعون المشهد الانتخابي في الأقاليم الجنوبية بأنه “معركة تكسير عظام” بين الأحزاب الثلاثة، حيث لا يخفي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة طموحهما لتصدر المشهد بعد شتنبر 2026، بينما يسعى حزب الاستقلال إلى استغلال الصراع بين حليفيه لانتزاع موقع متقدم.
وترى تحليلات سياسية أن هذه الأقاليم، التي تكتسي أهمية خاصة في سياق تنزيل مبادرة الحكم الذاتي وتعزيز الجبهة الداخلية، دخلت مبكراً زمن “الانقلابات الحزبية”، حيث تحولت الانتقالات بين الأحزاب إلى سلاح انتخابي لإضعاف الخصوم وتقوية اللوائح .
ويبقى الرهان الأكبر على مدى قدرة هذه الترشيحات والتحركات المتسارعة على ترجمة الحضور السياسي إلى أصوات في صناديق الاقتراع، وسط ترقب لمعرفة من سيكسب رهان هذه المواجهة الانتخابية غير المسبوقة في الأقاليم الجنوبية.