لم يحتج المنتخب المغربي سوى تسعين دقيقة في ملعب “إن آر جي” بمدينة هيوستن ليؤكد أن ما حققه في مونديال قطر لم يكن استثناءً عابراً. فالثلاثية النظيفة التي هز بها شباك كندا، مساء السبت، لم تمنحه فقط بطاقة العبور إلى ربع نهائي كأس العالم 2026، بل منحته أيضاً اعترافاً دولياً جديداً بأنه بات واحداً من كبار اللعبة، لا مجرد منتخب يجيد صناعة المفاجآت.
ومع انطلاق صافرة النهاية، انتقلت المباراة من أرضية الملعب إلى صفحات الصحف العالمية وشاشات القنوات الرياضية، حيث انشغل المحللون بتفسير سر هذا المنتخب الذي أصبح يربح المباريات بواقعية الكبار، حتى عندما لا يكون الأكثر استحواذاً أو صناعةً للفرص.
في الولايات المتحدة، اختارت شبكة ESPN أن تقرأ المباراة بلغة الأرقام. فقد أشارت إلى أن المغرب اكتفى بخمس تسديدات فقط، سجل منها ثلاثة أهداف، في واحدة من أكثر المباريات فعالية في تاريخ الأدوار الإقصائية لكأس العالم. وبالنسبة للشبكة الأمريكية، فإن هذا الرقم لا يعكس فقط جودة اللمسة الأخيرة، بل يكشف عن منتخب يعرف متى يهاجم، وكيف يحول أنصاف الفرص إلى أهداف كاملة.
ولم تغفل الشبكة عن الأداء اللافت لبراهيم دياز، الذي واصل صناعة الفارق بتمريرتين حاسمتين، مؤكدة أن اللاعب المغربي أصبح أحد أبرز صناع اللعب في البطولة، بينما فرض عز الدين أوناحي نفسه نجماً للمباراة بثنائية أكدت عودته إلى أفضل مستوياته.
أما CNN، فقد تبنت قراءة مختلفة، ركزت فيها على الوجه الآخر للمباراة. فالشبكة رأت أن المنتخب الكندي دخل اللقاء بشجاعة، وضغط بقوة في الدقائق الأولى، وخلق فرصاً كانت كفيلة بتغيير مجرى المباراة لو استغلها بالشكل المطلوب. غير أن التقرير خلص إلى أن الفارق الحقيقي لم يكن في عدد الفرص، وإنما في شخصية المنتخب المغربي، الذي عرف كيف يصمد في أصعب الفترات، ثم وجه ضرباته في الوقت المناسب.
وفي كندا، امتزجت خيبة الخروج بنبرة احترام واضحة للمنافس. فقد دافعت الصحف الكندية عن أداء منتخبها، معتبرة أنه لم يكن أقل مستوى من المغرب في الجوانب الفنية، لكنه افتقد للنجاعة أمام المرمى. وأبرزت تصريحات المدرب جيسي مارش، الذي أكد أن فريقه قدم مباراة جيدة، لكنه اصطدم بمنتخب يعرف كيف يحسم التفاصيل الصغيرة، وهي التفاصيل التي تصنع الفارق في البطولات الكبرى.
ولم يكن غريباً أن تعود بعض وسائل الإعلام الكندية إلى تصريحات مارش قبل المباراة، حين وصف المنتخب المغربي بأنه فريق “يصعب العثور على نقطة ضعف فيه”، وهي عبارة رأى كثيرون أنها تحولت بعد المباراة إلى توصيف دقيق لما حدث فوق أرضية الملعب.
في فرنسا، لم يدم الحديث عن مواجهة كندا طويلاً، إذ تحولت الأنظار مباشرة إلى ربع النهائي المرتقب بين المنتخبين المغربي والفرنسي. الصحافة الفرنسية اعتبرت أن مواجهة 2026 تختلف كثيراً عن نصف نهائي مونديال قطر قبل أربع سنوات. فالمغرب، في نظرها، أصبح أكثر نضجاً، وأكثر قدرة على إدارة المباريات الكبرى، ولم يعد يعتمد فقط على صلابته الدفاعية، بل بات يمتلك حلولاً هجومية متنوعة ولاعبين قادرين على حسم المباريات في أي لحظة.
أما الصحافة الإسبانية، فقد كانت الأكثر احتفاءً بالنضج التكتيكي الذي أظهره المنتخب المغربي. فالصحف الرياضية الإسبانية، التي تتابع عن قرب عدداً كبيراً من لاعبي “أسود الأطلس”، رأت أن المغرب أصبح يجسد النموذج الأوروبي في إدارة المباريات؛ صبر عندما فرضت كندا إيقاعها، ودافع بتنظيم محكم، ثم استغل المساحات بأقصى درجات الفعالية، في صورة تعكس تطوراً واضحاً في شخصية الفريق.
وفي بريطانيا، جاءت الخلاصة أكثر وضوحاً. فقد اعتبرت تحليلات صحفية أن الوقت قد حان للتخلي عن وصف المغرب بـ”الحصان الأسود”. فهذا اللقب، الذي لازم المنتخب منذ مونديال قطر، لم يعد يعكس حقيقة مستواه الحالي. المغرب، في نظر الإعلام البريطاني، أصبح مرشحاً حقيقياً للمنافسة على اللقب، لأنه يمتلك العناصر التي تميز المنتخبات الكبرى: الانضباط، والهدوء، والقدرة على الحسم تحت الضغط.
ورغم اختلاف زوايا التغطية بين هذه المدارس الصحفية، فإنها التقت عند استنتاج واحد: المغرب لم يعد منتخباً يعيش على وهج إنجاز سابق، بل مشروع كروي يواصل التطور بثبات. فالمنتخب الذي أبهر العالم في قطر، عاد في الولايات المتحدة ليؤكد أن حضوره بين الكبار لم يكن صدفة، وأن المدرسة الكروية المغربية أصبحت تملك من النضج والخبرة ما يجعلها منافساً دائماً في البطولات الكبرى.
ولعل الرسالة الأبرز التي حملتها الصحافة الدولية بعد ليلة هيوستن لم تكن مرتبطة بالنتيجة في حد ذاتها، بل بما ترمز إليه. فالفوز على كندا لم يُقرأ باعتباره مجرد تأهل إلى ربع النهائي، بل باعتباره إعلاناً جديداً عن ميلاد قوة كروية رسخت مكانتها بين نخبة المنتخبات العالمية.