بدل أن تتحول الحملة التشريعية في الجزائر إلى ساحة للنقاش حول الاقتصاد والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، بدت في كثير من محطاتها أقرب إلى عرض هزلي مفتوح على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تنافست بعض الوجوه السياسية وأنصارها في صناعة الجدل أكثر من تقديم حلول حقيقية للناخبين.
فبين وعود انتخابية تشبه مسابقات الجوائز، ومشاهد أثارت موجات من السخرية، وتصريحات اقتصادية اعتبرها كثيرون بعيدة عن الواقع، تحولت الحملة إلى مادة يومية للتندر الرقمي، في مشهد يعكس أزمة ثقة متفاقمة بين الشارع والطبقة السياسية.
وكانت إحدى أكثر الوقائع إثارة للجدل تلك التي بطلتها مؤثرة على مواقع التواصل، عرضت تقديم “علبة تسمين مجانية” لكل سيدة تنجح في جلب عشرين صوتا انتخابيا لصالح مرشح معين. ولم تكتف بذلك، بل ألمحت إلى إمكانية المساعدة في الحصول على خدمات ووظائف، في خطاب رأى فيه كثيرون اختزالا للعملية السياسية في منطق الوساطة والمقايضة بدل البرامج والأفكار.
ولم يتأخر الجزائريون في تحويل الحادثة إلى مادة للسخرية، حيث امتلأت المنصات بتعليقات اعتبرت أن الحملات الانتخابية تحولت من التنافس على كسب العقول إلى سباق على توزيع الامتيازات والهدايا.
وفي محطة أخرى، وجد الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي منذر بودن نفسه في قلب عاصفة رقمية بعدما انتشر مقطع فيديو فُسر على نطاق واسع على أنه يظهر شابا يحاول تقبيل يده خلال زيارة ميدانية. ورغم خروج الشاب لاحقا لتأكيد أنه كان يلتقط نظارته الشمسية التي سقطت منه، فإن الرواية لم تنجح في إخماد السخرية التي اجتاحت المنصات، حيث أصبحت اللقطة رمزا لعلاقة سياسية يراها كثيرون قائمة على صناعة الهالة أكثر من تعزيز المواطنة.
أما التصريحات الاقتصادية، فلم تكن أقل إثارة للجدل. فقد أثارت مقارنات بين الدينار الجزائري واليورو الأوروبي موجة انتقادات واسعة، بعدما اعتبرها معلقون محاولة لتجميل واقع اقتصادي يواجه فيه المواطن تحديات يومية تتعلق بالأسعار والدخل وفرص العمل.
وأعاد ذلك إلى الواجهة سلسلة من التصريحات السابقة التي دأبت على تقديم صورة وردية عن الأوضاع المعيشية، رغم الفجوة الواضحة بين الخطاب الرسمي والانطباعات السائدة لدى قطاعات واسعة من الرأي العام.
ولم يغب عبد القادر بن قرينة عن المشهد بدوره، بعدما أثار تبريره للعلاج في الخارج عاصفة من التعليقات الساخرة. فبينما قال إنه لا يريد مزاحمة المواطنين داخل المستشفيات، رأى منتقدون أن تصريحات كهذه تطرح أسئلة محرجة حول مستوى الثقة الذي يمنحه بعض السياسيين أنفسهم للخدمات التي يدافعون عنها في خطاباتهم.
ومع تراكم هذه الوقائع، بدا أن النقاش حول صلاحيات البرلمان المقبل وبرامجه الاقتصادية والاجتماعية تراجع إلى الخلفية، بينما تصدرت المشاهد المثيرة للجدل واجهة الحملة.
وفي نظر كثير من المتابعين، لم تعد منصات التواصل مجرد فضاء للسخرية من السياسيين، بل تحولت إلى مرآة تعكس حجم الهوة بين الشارع وطبقة سياسية تكافح لإقناع الناخبين بجدية خطاباتها. وبينما تتوالى المشاهد الكاريكاتورية يوما بعد يوم، يزداد شعور قطاعات واسعة من الجزائريين بأن الحملات الانتخابية أصبحت أقرب إلى عروض دعائية موسمية منها إلى منافسة سياسية حقيقية حول مستقبل البلاد.