في مفارقة دبلوماسية صارخة، تتجه الجزائر إلى أحضان فرنسا مجددا، بعد أن كانت قد قطعت علاقاتها معها احتجاجا على اعتراف باريس بمغربية الصحراء، وهو الموقف الذي تقبلته السلطات الجزائرية اليوم بصمت، في تناقض يثير علامات استفهام كبرى حول ثبات السياسة الخارجية للدولة الجزائرية.
فبينما كانت الجزائر أمس القريب تندد بموقف فرنسا الداعم لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتسحب سفيرها من باريس وتصف الخطوة الفرنسية بأنها طعنة في الظهر، ها هي اليوم تعود إلى أحضان العاصمة الفرنسية وكأن شيئا لم يكن.
يجري وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود، منذ أمس الاثنين، زيارة عمل للعاصمة الفرنسية باريس للقاء نظيره الفرنسي لوران نونيز، في إطار انفراج واضح للعلاقات بين البلدين اللذين كانت تربطهما أزمة دبلوماسية حاد.
وذكرت أوساط فرنسية أول أمس الأحد أن زيارة سعيود تأتي استمرارا لتبادل الزيارات بين البلدين، بعد زيارة وزير الداخلية الفرنسي للجزائر في 16 و17 فبراير الماضي.
وأوضحت الأوساط نفسها رغبة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إحياء حوار فاعل مع الجزائر، في إطار الاحترام المتبادل للمصالح الوطنية لكل من الطرفين، ومن المتوقع أن تتناول المحادثات بين الجانبين مسألتي الأمن ومكافحة الجريمة المنظمة، إضافة إلى قضيتي الهجرة والحماية المدنية.
وكانت زيارة نونيز للجزائر في منتصف فبراير الماضي قد فتحت الطريق أمام ما اعتبر “انفراجا” في العلاقة بين باريس ومستعمرتها السابقة التي نالت استقلالها عام 1962، وذلك بعد أشهر من توتر حاد.
وفي صيف 2024 اندلعت الأزمة بسبب دعم باريس لخطة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لإقليم الصحراء المغربية، وعلى الفور، سحبت الجزائر سفيرها من فرنسا في رد فعل غاضب.
وتفاقم التوتر بفعل توقيف الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال في نوفمبر 2024، الذي أصدر الرئيس عبد المجيد تبون عفوا عنه في الشهر نفسه من عام 2025.
ويراقب ملاحظون للشأن المغاربي هذا التحول المفاجئ في الموقف الجزائري، إذ كانت الجزائر قد راهنت على موقف متشدد ضد أي اعتراف دولي بمغربية الصحراء، وقطعت علاقاتها مع دول اتخذت خطوات مماثل.
لكن يبدو أن المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية مع فرنسا، خاصة في ملفي الهجرة ومكافحة الإرهاب، قد غلبت حسابات الجزائر التي اضطرت إلى ابتلاع اعتراف فرنسا بمغربية الصحراء والعودة إلى طاولة المفاوضات كأن شيئا لم يحدث.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هو كيف للجزائر التي كانت بالأمس القريب تعلن معارضتها الشديد للموقف الفرنسي الداعم للمغرب، وترفع شعارات عدم المساومة على قضية الصحراء، أن تعود اليوم إلى حضن فرنسا التي قطعت معها العلاقات بسبب هذا الموقف تحديدا؟
غير أن التطورات الأخيرة تكشف أن الجزائر تتعامل مع القضايا المصيرية بمنطق ظرفي متقلب، وأن أزماتها الدبلوماسية مع باريس لم تكن سوى مسرحيات سياسية انتهت بمجرد أن استدعت المصالح العليا للدولة الجزائرية فتح صفحة جديدة مع الطرف الفرنسي، حتى ولو كان الثمن هو تقبل الاعتراف بمغربية الصحراء الذي قاتلته طويلا.