بلغة الاقتصاد، تحقق الجزائر من جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مكاسب كبيرة، تتعلق بوفرة مالية ساهم فيها ارتفاع أسعار المحروقات في الأسواق الدولية، وقرار الجزائر زيادة إنتاجها للنفط والغاز لتلبية جزء من حاجة لأسواق الأوروبية للطاقة.
المغرب بوصفه بلدا غير نفطي، تأثرت موارده المالية واحتياطاته النقدية بالكلفة الطاقية، فقد تكبد تكاليف إضافية من جراء دعم قطاع الغاز وإنتاج الكهرباء، لكن في مقابل هذه الخسارة، يجني أرباحا كبيرة من جراء استثمار فرصة الخصاص في الأسواق الدولية من الأسمدة، كما تعرف الأسواق الدولية إقبالا كبيرا على منتوجاته الزراعية، مما يقيم قدرا كبيرا من التوازن المالي.
سياسيا، بقي المغرب مستقرا على مواقفه تجاه خارطة الصراع في الشرق الأوسط، فعلاقاته المقطوعة مع طهران، وصلاته الاستراتيجية مع دول الخليج، جعلته لا يجد حرجا في إدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، والتعبير عن دعمه لأشقائه في مواجهة التحديات الأمنية التي يواجهونها، بخلاف الجزائر، فقد عرف موقفها ارتباكا كبيرا، بفعل علاقتها فوق العادية مع طهران، فكان موقف خارجيتها في البدء قريبا من دعم إيران، ثم تحول موقفها، لجهة إدانة هجومها على دول الخليج، دون ذكرها بالاسم.
الاعتبارات التجارية والاقتصادية وأيضا الاستراتيجية تفسر هذا التحول، فالجزائر تخشى أن تكون الدائرة عليها، وتناور بتحول موقفها وبقدرتها على التنفيس على الأسواق الأوروبية المحتاجة للغاز والنفط، من أجل أن تبعد سيناريو استهدافها في المدى القريب والمتوسط، ولذلك، وقريبا مما فعلته بحليفتها موسكو في حربها على أوكرانيا، تضطر الجزائر أن تنقلب على حليفتها طهران، فحين تشتبك قضايا الاقتصاد مع التحديات الاستراتيجية، تكون لغة المكاسب مع تأمين المخاوف أفضل من تحصين التحالفات.
بلغة الاقتصاد، الجزائر كسبت، والمغرب حافظ على توازنه. وبلغة الاستراتيجيا، المغرب حافظ على وضعه، مع تنامي التحديات من جراء إمكان استثمار الجزائر للوفرة المالية لتغيير بعض المعطيات الإقليمية، في حين، لا تزال الجزائر تناور بتحول موقفها تجاه الصراع في الشرق الأوسط، وبدورها في تأمين جزء من الحاجة للطاقة في الأسواق الأوروبية لتجنب كلفة تحالفاتها السابقة لاسيما مع موسكو ثم طهران.
لكن يبقى السؤال المطروح، هو انعكاس ذلك كله على الديناميات الإقليمية لتغيير الشروط التي أفرزت القرار الأممي 2797، بخصوص حل قضية الصحراء.
بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تحركت الجزائر على أكثر من واجهة لتغيير هذه الشروط، فقد تحركت جبهة النيجر زيارة وفد حكومي رفيع المستوى في الرابع والعشرين من مارس الماضي، وأبرمت العديد من الاتفاقيات، شملت قضايا أمنية على وجه الخصوص (تأمين الحدود البرية المشتركة، ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية) فضلا عن مشاريع تنموية ذات أبعاد أمنية (مشاريع بنية تحتية في المناطق الحدودية بقصد تخفيض مستويات الهشاشة فيها، وتمنيعها من نشاط الجماعات المتطرفة التي تتغذى على واقع الهشاشة في المناطق الحدودية). ومع أن اللقاء أثير فيه مشروع أنبوب الغاز الجزائري النيجيري العابر عبر النيجر، لكم دجون برمجة تنفيذ أي شيء.
وفي المقابل، فإن انعقاد اللجنة العليا المشتركة النيجرية المغربية الخامسة بنيامي في الثامن من أبريل الجاري، غطى بشكل كبير على زيارة الوفد الحكومي الجزائري للنيجر، ففي الوقت الذي تحاول فيه الجزائر أن تعيد ترميم الحد الأدنى من علاقتها بالنيجر مكتفية بما يشغلها من تحديات أمنية حدودية، فقد اتجه المغرب إلى ترجمة مبادرتيه، الأطلسية، ثم مبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى الواجهة الأطلسية، ونقل العلاقة مع نيامي إلى مستوى استراتيجي متعدد الأبعاد، فمن الواضح من خطاب وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في افتتاح أعمال هذه اللجنة أن العنوان العريض للشراكة يشمل القطاعات الحيوية (الطاقات المتجددة، الصناعة الدوائية، الصحة، البنيات التحتية، الشباب والرياضة، البنوك والاتصالات والنقل الجوي) وأن الأمر لا يخص المناطق الحدودية كما هي المقاربة الجزائرية، بل يخص التنمية بكل التراب النيجري، دون إغفال للبعد الأمني، والذي قدم فيه المغرب إلى جانب خبرته الأمنية، خبرته في إدماج المقاربة الدينية في مواجهة الإرهاب والتطرف.
البعض يرى في تزامن زيارة الوزير الأول الموريتاني للجزائر محفوفا بوفد وزاري وازن في إطار فعاليات اللجنة العليا المشتركة الجزائرية الموريتانية، مع زيارة المفتش العام للقوات المسلحة الملكية محمد بريظ إلى موريتانيا في إطار فعاليات اللجنة العسكرية المشتركة الموريتانية المغربية، علامات على اشتداد الصراع بين البلدين على استقطاب موريتانيا، لكن التأمل في مخرجات زيارة الوفد الحكومي الموريتاني إلى الجزائر، يدرك أن الأمر لا يتعلق بدينامية جزائرية، بقدر ما يتعلق برهان موريتاني على استثمار اللحظة من أجل تحقيق المزيد من المكتسبات، خاصة وأن جل المشاريع التي التزمت بها الجزائر تجاه موريتانيا في لقاء اللجنة العليا المشتركة السابقة (الدورة العشرين)، بقيت معلقة بدون تنفيذ، فكان عنوان الوفد الحكومي الموريتاني، هو تفعيل مخرجات الدورة السابقة، وتسريع تنفيذ الاتفاقيات التي تخص الطاقة والبنية التحتية والتبادل التجاري.
فهذا التزامن في واقع الأمر كان تحركا موريتانيا للضغط على الجزائر، بوضع الوفاء بالتزاماتها السابقة في كفة، والاقتراب أكثر من المغرب في الكفة المقابلة، إذ تخشى الجزائر بشكل كبير من تنامي مؤشرات التعاون العسكري والأمني بين الرباط ونواكشوط.
ثمة بعد ثالث في دينامية الصراع هو ما يرتبط باستثمار المغرب لتأزم العلاقة بين الجزائر ومصر بسبب رفض الجزائر طلبا مصريا بتلبية حاجاته الطاقية وذلك على خلفية تداعيات إغلاق معبر هرمز، واتجاه الرباط إلى إنهاء التوتر الصامت مع القاهرة، وتعبيد الطريق إلى وفاق استراتيجي بين البلدين، عبرت عنه بوضوح نتائج الجولة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة المشتركة، والتي انعقدت في القاهرة بحضور رئيس الحكومة المغربي عزيز أخنوش ورئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، إذ شكلت الاتفاقات التي تم إبرامها نقلة نوعية في التعاون الثنائي بين البلدين ومؤشرا على تأسيس مرحلة جديدة بين البلدين قائمة على التكامل الاقتصادي ونقله إلى أبعاد متعددة.
كان المفترض أن تساهم الأزمة الطاقية العالمية في تحسين التموقع الجزائري على مستوى علاقاته مع دول الاتحاد الأوروبي، خاصة مدريد وباريس وروما، لكن من الظاهر أن هذه لا تريد أن تكون مكاسبها المفترضة من الجزائر رهينة بتغير موقفها من المغرب، فمن الواضح في خطابي رئيسة الوزراء الإيطالية ووزير الخارجية الإسباني، ثبات الموقف بخصوص قضية الصحراء، فيما لم تستطع الجزائر أن تحدث اختراقا على مستوى علاقتها بباريس، وبقي الموقف الأمريكي داعما لمسار حل قضية الصحراء ضمن نفس الدينامية السريعة التي تشترط تعاون كل الأطراف بما في ذلك الجزائر لإنهاء النزاع وفقا لمقترح الحكم الذاتي المغربي.
في محصلة الصراع لتعديل الشروط أو تحصينها، لم تستطع الجزائر أن تستثمر وفرتها الظرف لإحداث أي خرق، فيما ظل المغرب في دائرة اليقظة وتحصين الشروط السابقة، واستثمار الفرص لتضييق حلفاء الجزائر، أما دول المحيط الإقليمي فاتجهت دينامياتها للاستفادة من التوازن الإقليمي بين المغرب والجزائر لتوسيع منافعها الخاصة.