يشهد الجدل حول الساعة الإضافية في المغرب عودة قوية إلى الواجهة مع عودة العمل بها مجددا اليوم الأحد 22 مارس 2026، حيث تحوّل النقاش من مجرد تذمر موسمي إلى دينامية مجتمعية منظمة، تجسدت في عريضة إلكترونية تجاوزت 110 آلاف توقيع، مطالِبة بإلغاء هذا التوقيت الذي يعتبره كثيرون عبئا يوميا يمس الصحة والحياة الاجتماعية للمغاربة.
ضغط مجتمعي غير مسبوق
تجاوز عتبة 100 ألف توقيع لا يعكس فقط حجم الرفض الشعبي، بل يكشف أيضا عن تحوّل نوعي في أشكال التعبير المدني، حيث انتقل المواطن من التذمر على مواقع التواصل إلى محاولة التأثير المؤسساتي عبر آلية دستورية واضحة.
ويستند هذا التحرك إلى الفصل 15 من الدستور، الذي يضمن حق تقديم العرائض، وهو ما يمنح المبادرة بعدا قانونيا يتجاوز الطابع الاحتجاجي نحو الفعل الترافعي المنظم.
غير أن هذا الزخم الرقمي يطرح تحديا حقيقيا: هل يستطيع أن يتحول إلى قوة ضغط فعالة داخل دواليب القرار؟ خصوصا وأن القانون التنظيمي يفرض مسارا دقيقا، يبدأ بتشكيل لجنة، وصياغة مذكرة تفسيرية مدعمة بالحجج والدراسات، ثم جمع ما لا يقل عن 5000 توقيع رسمي عبر البوابة الوطنية للمشاركة المواطنة.
كلفة صحية واجتماعية مثيرة للجدل
أحد أبرز مرتكزات الرافضين للساعة الإضافية يتمثل في آثارها الصحية، حيث يشير مختصون إلى اضطراب الساعة البيولوجية، وما يرافق ذلك من مشاكل في النوم، والإرهاق المزمن، خاصة لدى الأطفال والتلاميذ.
كما يربط البعض بين هذا التوقيت وتراجع التركيز والإنتاجية، فضلا عن تأثيره على السلامة الطرقية خلال فترات الصباح الباكر.
اجتماعيا، يُنظر إلى الساعة الإضافية كعامل يربك الحياة اليومية للأسر، خصوصا في فصل الشتاء، حيث يضطر المواطنون إلى بدء يومهم في الظلام، ما يزيد من الإحساس بعدم التوازن بين الزمن الإداري والزمن الطبيعي. هذه التحولات جعلت فئات واسعة تصف هذا التوقيت بـ”المجحف” و”غير المتلائم” مع خصوصيات المجتمع المغربي.
الحكومة بين منطق الاقتصاد وغياب الإقناع
في المقابل، تستمر الحكومة في الدفاع عن خيار الإبقاء على الساعة الإضافية، مستندة إلى مبررات اقتصادية، من قبيل ترشيد استهلاك الطاقة وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني عبر التقارب الزمني مع الشركاء الدوليين.
غير أن هذه المبررات تواجه انتقادات واسعة، لكونها بحسب المعارضين تظل غير مدعومة بدراسات واضحة ومقنعة للرأي العام.
إذ يعتبر كثيرون أن “المنافع الاقتصادية” التي تتحدث عنها الحكومة لا تظهر إلا في التقارير الرسمية، دون أن يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية، سواء من حيث القدرة الشرائية أو جودة العيش.
هذا الغياب للشفافية يعمّق فجوة الثقة بين المواطن وصانع القرار، ويطرح سؤالا جوهريا حول كيفية تدبير السياسات العمومية: هل يكفي التبرير الاقتصادي لفرض خيارات تمس الحياة اليومية لملايين المواطنين؟
من الاحتجاج الرقمي إلى الفعل المؤسساتي
الرهان اليوم لم يعد فقط في عدد التوقيعات، بل في القدرة على تحويل هذا الرفض الشعبي إلى مبادرة قانونية مستوفية للشروط. فالعريضة، في حال قبولها شكليا، ستحال على لجنة مختصة، قبل أن يتخذ رئيس الحكومة قرارا بشأنها داخل آجال محددة.
لكن التجارب السابقة أظهرت أن مسار العرائض، رغم أهميته الدستورية، لا يضمن بالضرورة الاستجابة الفعلية للمطالب، ما لم يكن مصحوبا بإرادة سياسية حقيقية لإعادة النظر في القرار.
بين الكلفة الاجتماعية والرهان الاقتصادي
في المحصلة، يعكس الجدل حول الساعة الإضافية صراعا بين منطقين: منطق حكومي يراهن على مؤشرات الاقتصاد الكلي، ومنطق مجتمعي يركز على جودة الحياة اليومية.
وبينهما، يبقى المواطن الحلقة الأكثر تأثرا بقرار لم ينجح، إلى حدود اليوم، في تحقيق توافق وطني حول جدواه.
ومع استمرار هذا الشد والجذب، يبدو أن ملف الساعة الإضافية لن يُحسم بسهولة، بل سيظل عنوانا لنقاش أوسع حول علاقة السياسات العمومية بانتظارات المواطنين، وحول مدى قدرة المؤسسات على الإنصات الفعلي لصوت المجتمع.