شدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، على أن “الاستسلام غير المشروط” من جانب إيران يمثل السبيل الوحيد لإنهاء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، في وقت تشهد فيه إيران ولبنان أعنف موجة غارات منذ اندلاع المواجهة الأميركية-الإسرائيلية قبل أسبوع.
وتدخل الحرب التي تفجرت مع اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يومها السابع، بعدما أشعلت الضربة الأولى فتيل تصعيد واسع امتد من طهران إلى بيروت مروراً بالعراق، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات الصراع على الاقتصاد العالمي، خصوصاً في ظل غموض أفق هذه الحرب.
وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد ألمح في وقت سابق إلى بدء بعض الدول جهود وساطة لوقف القتال، غير أن ترامب استبعد أي تسوية سياسية، مؤكداً عبر منصته “تروث سوشال” أن لا اتفاق ممكناً مع طهران سوى “الاستسلام غير المشروط”. وأضاف أن الولايات المتحدة وحلفاءها سيعملون، في حال تحقق ذلك، على إنقاذ إيران من الانهيار الاقتصادي وجعلها أكثر ازدهاراً، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستتطلب قيادة جديدة “قوية ومقبولة”.
في المقابل، لوّح وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بتكثيف الضربات ضد إيران، بالتزامن مع استمرار الغارات الإسرائيلية على طهران والضاحية الجنوبية لبيروت، المعقل الرئيسي لـحزب الله.
وفي العاصمة الإيرانية، دوّت انفجارات قوية الجمعة في واحدة من أعنف موجات القصف منذ بداية الحرب، بحسب شهود عيان، بينما أظهرت مقاطع متداولة تجمع آلاف المصلين في طهران للمشاركة في أول صلاة جمعة منذ اندلاع المواجهة، حيث ظهر كثير منهم مرتدين السواد ويحملون الأعلام الإيرانية.
ونقل عن رجل أعمال إيراني أن عدداً كبيراً من السكان غادروا طهران منذ بدء الحرب، مشيراً إلى أن السلطات أقامت نقاط تفتيش داخل المدينة لمنع أعمال النهب وضبط الوضع الأمني، في ظل أجواء من الخوف والقلق.
في لبنان، كانت إسرائيل قد أعلنت دخول “مرحلة جديدة” من الحرب، معلنة استهداف بنى تحتية مرتبطة بالحكم في إيران والضاحية الجنوبية لبيروت. وأظهرت مشاهد من المنطقة مباني مدمرة بالكامل وسيارات محترقة وأعمدة دخان تتصاعد بعد غارات ليلية، فيما نزح عشرات الآلاف من السكان عقب تحذيرات إسرائيلية بإخلاء المنطقة.
وشهدت الضاحية الجنوبية حالة من الهلع بعد الإنذار الإسرائيلي الذي طالب السكان بالمغادرة الفورية، ما أدى إلى اختناقات مرورية كبيرة مع تدفق الأهالي نحو مناطق أكثر أمناً، فيما أطلقت رشقات نارية في بعض الأحياء لتنبيه السكان إلى ضرورة المغادرة.
في هذا السياق، حذر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام من خطر حدوث “كارثة إنسانية” نتيجة النزوح الجماعي. وفي المقابل، دعا حزب الله السكان الإسرائيليين إلى إخلاء المناطق الواقعة ضمن خمسة كيلومترات من الحدود اللبنانية.
وفي إيران، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجوم مركب بالصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى إطلاق وابل من صواريخ “خيبر” باتجاه أهداف داخل تل أبيب. كما تحدث عن استهداف أنظمة رادار أميركية في الإمارات والأردن وقطر، فيما قال الجيش الإيراني إنه ضرب ناقلة نفط أميركية في مياه الخليج، مؤكداً اندلاع النيران فيها.
وامتد التصعيد إلى دول الخليج، حيث أعلنت كل من السعودية وقطر اعتراض صواريخ ومسيّرات استهدفت قاعدتين جويتين في البلدين. كما أفادت البحرين بأن إيران استهدفت فندقين ومبنى سكنياً في العاصمة المنامة دون تسجيل خسائر بشرية، بينما ذكرت قطر أن عناصر من قواتها البحرية كانوا داخل مبانٍ استهدفتها طهران في البحرين دون وقوع إصابات.
وأعلنت الأمم المتحدة أن الحرب الجارية تمثل “أزمة إنسانية كبرى”، داعية إلى تحقيقات مستقلة بعد اتهام إيران الولايات المتحدة وإسرائيل بالمسؤولية عن قصف مدرسة أدى إلى مقتل أكثر من 150 شخصاً، وهو ما لم تؤكده واشنطن أو تل أبيب رسمياً، رغم أن تحقيقاً لصحيفة نيويورك تايمز رجح أن تكون القوات الأميركية وراء الضربة.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، لا تبدو مؤشرات على توجه أي من الطرفين إلى التفاوض. وكان ترامب قد لمح إلى ضرورة أن يكون لواشنطن دور في اختيار خلف للمرشد الإيراني، رافضاً فرضية تولي نجله مجتبى خامنئي المنصب.
من جهتها، أعلنت إسرائيل أنها دمرت أكثر من 60 في المائة من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية و80 في المائة من منظومات الدفاع الجوي، من خلال نحو 2500 غارة استخدمت فيها أكثر من ستة آلاف ذخيرة، مؤكدة أنها حققت تفوقاً جوياً شبه كامل فوق الأجواء الإيرانية.
وفي المقابل، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لا تسعى إلى وقف إطلاق النار أو الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة في الوقت الراهن. كما أعلن زعيم جماعة أنصار الله في اليمن عبد الملك الحوثي أن قواته مستعدة للتصعيد العسكري متى اقتضت التطورات ذلك.
وبات العراق بدوره أكثر انخراطاً في النزاع، إذ أفاد مسؤول أمني بأن طائرات مسيّرة استهدفت مطاراً ومنشأتين نفطيتين في جنوب البلاد، ما ساهم في ارتفاع أسعار النفط بعد إعلان سلطات إقليم كردستان توقف الإنتاج نتيجة هجوم سابق.
وفي خضم هذا التصعيد، تواصل الأطراف الدولية مساعيها الدبلوماسية. وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه يناقش مع شركاء دوليين خطة لمنع انزلاق لبنان مجدداً إلى حرب واسعة، استجابة لطلب نظيره اللبناني جوزاف عون.
وتشير الحصيلة الأولية للضحايا إلى مقتل ما لا يقل عن 217 شخصاً في لبنان منذ بداية الحرب، وفق وزارة الصحة، فيما أعلنت وكالة إرنا الإيرانية أن عدد القتلى في إيران بلغ 1230 منذ السبت، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال بحسب الحكومة الإيرانية. كما سجلت دول الخليج 13 قتيلاً، بينهم سبعة مدنيين، فيما ارتفع عدد القتلى في إسرائيل إلى عشرة أشخاص على الأقل.