حين تصمت المؤسسات تتكلم الإشاعات ..عن أحداث نهاية الكأس الافريقي

ما وقع في مقابلة المغرب والسنغال في نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025 سيبقى حدثاً تاريخياً استثنائياً في السجل الرياضي المغربي، لكنه حدث محاط بكثير من الجوانب الغامضة والزوايا الرمادية والصمت المريب.

فرغم مرور أسابيع على أحداث هذا النهائي المثير، وأسبوعين على صدور قرارات لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وتداعياتها على الصعيد الوطني والإفريقي والدولي، ما زالت المؤسسات ورؤساؤها وأطقمها التواصلية، وعلى رأسها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ورئيسها فوزي لقجع، ملتزمين الصمت.

فإلى حدود اليوم، لا وجود لتواصل مؤسساتي، ولا ندوات صحفية، ولا بلاغات رسمية توضيحية من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أو من وزير الرياضة حول ما حدث في هذا النهائي، وكيف وقع، ولماذا حدث، من أجل تقريب الصورة الحقيقية لشعب مصدوم مما جرى، وغير مصدّق لما شاهده في مباراة نهائي كأس الأمم الإفريقية بين المغرب والسنغال.

الرأي العام المغربي يريد معرفة الحقيقة، ويتشبث بالاطلاع على تفاصيل ما وقع في نهاية كأس الأمم الإفريقية. كما ينتظر من المؤسسات المسؤولة عن كرة القدم أن تتحلّى بالجرأة اللازمة لقول الحقيقة كاملة بشأن هذا النهائي المثير، بدل الصمت وتجاهل هذه الأحداث المؤلمة وغير المتوقعة التي شهدتها بطولة قارية، والتغاضي عن قرارات تأديبية يعتبرها كثيرون ظالمة.

والأخطر من ذلك، كما قال أحد الصحافيين، أن “خبراً بحجم اعتذار المغرب عن تنظيم كأس إفريقيا للسيدات لم يصدر عن الجامعة ولا عن أي جهة رسمية داخل البلاد، بل وصل إلى المغاربة عبر جنوب إفريقيا. ثم جاء التوضيح أو التكذيب من جنوب إفريقيا أيضاً، التي طمأنت بأن تنظيم المسابقة ما زال في حوزة المغرب، فيما جامعتنا نائمة، لا تنفي ولا تؤكد ولا توضح”.

نحن هنا لا نتحدث عن تسريب عابر، بل عن قرار استراتيجي يمس التزامات المغرب القارية وصورته التنظيمية واستثماره في كرة القدم النسوية. وحين تغيب المؤسسة المعنية عن شرح قرار بهذا الحجم، فإن الأمر لا يمكن تفسيره إلا باعتباره استخفافاً بالرأي العام أو عجزاً عن تحمّل كلفة المصارحة.

إن صمت المؤسسات الرسمية عن قول الحقيقة للمغاربة يشكل خرقاً واضحاً لمقتضيات الفصل 27 من الدستور، الذي ينص على حق المواطن في الوصول إلى المعلومات. فحين تصمت المؤسسات عن إيصال المعلومة الرسمية، تترك المجال للإشاعة والتأويلات لتتحدث مكانها، ويتحول التواصل المؤسساتي الرياضي إلى ساحة للفوضى وفضاء لترويج الأخبار الزائفة، وهي قمة اللامسؤولية.

ورهان الجامعة على الصمت له كلفة، وهذه الكلفة تُدفع اليوم من رصيد ثقة الجمهور في مؤسسته الكروية، لأن تواصل زمن الأزمات، خصوصاً في مجال كرة القدم المشحون بالعاطفة، يحتاج إلى خطاب مؤسساتي مسؤول وشفاف.

ومن المؤسف أن من بين التداعيات المحتملة لصمت الجامعة بشأن ما وقع في نهائي المغرب والسنغال فقدان ثقة الجمهور المغربي في مؤسسته الكروية، والشعور بأنها لا تحترمه ولا تتعامل معه بالشفافية والوضوح، وهو ما يوسّع الفجوة بين الجامعة ومسؤوليها والجمهور، خصوصاً لدى شعب يعشق كرة القدم، ويزيد منسوب الإحباط لديه، إلى حد اعتبار هذا الصمت إهانة.

وحسب نظريات علم التواصل المؤسساتي، فإن صمت المؤسسات في زمن الأزمات الرياضية مكلف ومدمّر، ومحاط بكثير من المخاطر والانعكاسات السلبية. فصمت المؤسسات يعني حضور الفوضى وهيمنة الإشاعات، التي تُعد الابنة الشرعية لهذا الصمت، لأنها لا تولد من فراغ، بل من غياب المعلومة. فكلما غاب التواصل الرسمي، تكاثرت التأويلات والروايات غير الموثوقة، خاصة في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الأخبار بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على احتوائها إذا تأخرت في الرد، فيتحول الفضاء العمومي إلى ساحة لتضارب التأويلات وتداول الأخبار الزائفة والمسمومة.

وعليه، فإن صمت المؤسسات خلال الأزمات، كما تجسد في صمت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أثناء نهائي كأس الأمم الإفريقية بالرباط، كانت له تداعيات خطيرة: إحباط، تيه، شعور بالغبن، انتشار رهيب للإشاعات والأخبار الزائفة، ارتفاع منسوب الارتباك لدى الرأي العام، وإضعاف شرعية المؤسسات والثقة فيها. إنه صمت تواصلي يولّد فقدان الثقة.

لذلك، من الطبيعي أن يكون لهذا الصمت ثمن، فحين تصمت المؤسسات، تتكلم الإشاعات، لكن بصوت أعلى وبتأثير أخطر، يعيد كل شيء إلى نقطة الصفر.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *