فيضانات القصر الكبير.. أين الحكومة والشركات المواطنة؟

أظهرت الفيضانات التي ضربت مدينة القصر الكبير حجم التحديات التي ما تزال تواجهها البلاد في مجال تدبير الكوارث الطبيعية، خاصة حين يتعلق الأمر بأزمة إنسانية مست أزيد من مئة وثمانية آلاف مواطن اضطروا إلى مغادرة منازلهم تحت ضغط ارتفاع منسوب المياه، في مشهد يعكس قسوة الطبيعة من جهة، ويختبر جاهزية مختلف الفاعلين من جهة أخرى.

وفي خضم هذه التطورات، برزت دعوات واسعة من المواطنين إلى الالتحام وروح التضامن، باعتبار أن مواجهة الكارثة لا يمكن أن تكون مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.

وقد سجلت السلطات العمومية حضورا ميدانيا لافتا، حيث قامت بأدوار مهمة في مجال الحماية والتوعية، سواء عبر تحذير الساكنة من المخاطر المحتملة، أو من خلال المساهمة في عمليات الإخلاء وتأمين المناطق المتضررة، إضافة إلى تدخلات الوقاية المدنية والقوات المساعدة ومصالح الجماعات الترابية، التي عملت على الحد من الخسائر وحماية الأرواح.

كما كان للمنتخبين المحليين دور في مواكبة الوضع ميدانيا والتواصل مع الساكنة، وهو ما ساهم في احتواء جزء من حالة القلق التي رافقت الساعات الأولى للفيضانات.

غير أن حجم الكارثة واتساع رقعتها يجعلان من الواضح أن الإمكانيات العمومية، مهما بلغت، تبقى غير كافية لوحدها لمواجهة تداعيات بهذا الحجم، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة بقوة سؤال مساهمة الشركات والمؤسسات الاقتصادية في الجهد التضامني.

فمن منطلق المواطنة الاقتصادية، تصبح الشركات مطالبة اليوم بالانخراط العملي في دعم المتضررين، سواء عبر تقديم مساعدات مباشرة، أو المساهمة في توفير الإيواء المؤقت، أو دعم عمليات إعادة الإعمار بعد انحسار المياه.

ولا يتعلق الأمر هنا بعمل إحساني ظرفي، بل بتجسيد فعلي لمفهوم المسؤولية الاجتماعية للمقاولة، الذي يفترض أن يتحول إلى ممارسة ثابتة في أوقات الرخاء كما في أوقات الشدة.

وفي هذا السياق، تبرز أيضا مسؤولية المؤسسات الفندقية التي راكمت أرباحا مهمة خلال فترات الرواج السياحي، وعلى رأسها فترة كأس إفريقيا، إذ ينتظر منها اليوم أن تتحلى بالحس الوطني وأن تفتح أبوابها لاستقبال المتضررين بأثمنة رمزية، باعتبار أن الوطنية لا تختزل في الاحتفال بالانتصارات الرياضية فقط، بل تتجسد أساسا في الوقوف إلى جانب المواطنين حين يفقدون سقف الأمان.

إن فيضانات القصر الكبير، رغم قسوتها، أعادت التأكيد على قوة التضامن المجتمعي من جهة، وعلى الحاجة إلى توسيع دائرة هذا التضامن ليشمل القطاع الخاص بشكل منظم وفعال من جهة ثانية، كما تطرح في العمق ضرورة التفكير في آليات مستدامة للشراكة بين الدولة والمقاولات والمجتمع المدني، بما يضمن استجابة أسرع وأكثر نجاعة في مواجهة الكوارث، ويحول روح التضامن من رد فعل ظرفي إلى ثقافة مؤسساتية راسخة.

وأثار الغياب اللافت لأي حضور حكومي أو وزاري ميداني بمدينة القصر الكبير خلال الفيضانات الأخيرة موجة من الاستياء في أوساط الساكنة والفاعلين المحليين، إذ لم تُسجَّل زيارة واحدة لأي عضو في الحكومة لمعاينة حجم الأضرار أو للوقوف على أوضاع المتضررين، في وقت كانت فيه المدينة تعيش على وقع ارتباك كبير وخسائر مادية ومعاناة إنسانية واضحة.

هذا الغياب، الذي وُصف بأنه غير مبرر،  يرى فيه فاعلون أنه “يمكن ان يعزز شعور المواطنين بالتهميش وطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق القرب الذي ترفعه الحكومة في خطابها”، خاصة وأن الأزمات والكوارث الطبيعية تستدعي، بحسب متابعين، “حضورا سياسيا ومسؤولية مباشرة تعكس الجدية في التعاطي مع معاناة المواطنين، وليس الاكتفاء ببيانات أو تدخلات إدارية محدودة”.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *