في سياق رفضهم لمشروع القانون المنظم لمهنتهم، شهدت الرباط، اليوم 28 من يناير الجاري، تصعيدا جديدا من طرف هيئات المحامين بالمغرب، من خلال وقفة احتجاجية وطنية نظمت بدعوة من فدرالية المحامين الشباب بالمغرب، أمام مقر وزارة العدل، وبمشاركة واسعة لمحاميات ومحامي مختلف هيئات المملكة، عبروا خلالها عن رفضهم القاطع لمشروع قانون اعتبروه “مسيئا لمهنة المحاماة ولمكتسباتها التاريخية”، ومهددا لاستقلالية العدالة وللتوازنات الأساسية داخل منظومة القضاء.
وتأتي هذه الوقفة، حسب المنظمين، في سياق ما وصفوه بـ“انسداد قنوات الحوار المؤسساتي” بين وزارة العدل وممثلي المهنة، رغم التنبيهات المتكررة التي أطلقتها هيئات المحامين بشأن مضامين المشروع وتداعياته القانونية والمهنية، سواء على وضعية المحامي أو على ضمانات التقاضي وحقوق المتقاضين.
وفي هذا الإطار، أكد جلال الطاهر، المحامي بهيئة الدار البيضاء وكاتب مجلس الهيئة، أن هذه الخطوة الاحتجاجية لا تقرأ من زاوية التصعيد في حد ذاته، بل باعتبارها “صرخة مسؤولية مهنية” فرضها غياب أي تفاعل جدي من الحكومة مع مطالب المحامين ومقترحاتهم.
وأوضح جلال الطاهر أن المحامين “أنذروا، وأعذروا، وانتظروا”، غير أن الوضع استمر على حاله، مضيفا أن “السكوت أمام ما يقع اليوم هو تخل عن المسؤولية التاريخية تجاه المهنة وتجاه العدالة”.
وتساءل المتحدث عما إذا كانت الحكومة الحالية ما تزال تتحمل مسؤوليتها السياسية والمؤسساتية أمام هذه الأوضاع، خاصة في ظل هذا الوضع وما يمكن أن يترتب عنه من آثار داخلية وخارجية تمس صورة البلاد وثقة المتقاضين في المنظومة القضائية.
وشدد على أن الإجماع الواسع الذي عبرت عنه هيئات المحامين، إلى جانب المحامين البرلمانيين المنتمين لمختلف التوجهات السياسية، يؤكد أن رفض المشروع ليس موقفا معزولا أو فئويا، بل تعبير عن قلق جماعي إزاء المسار الذي يدفع إليه قطاع العدالة.
وأبرز الطاهر أن وزارة العدل تبقى الجهة الوحيدة التي تصر على تمرير المشروع بصيغته الحالية، رغم التحفظات المهنية والقانونية المثارة حوله، معلنا عن استمرار البرنامج النضالي، ومن ضمنه تنظيم وقفة احتجاجية أخرى مرتقبة يوم السادس من فبراير المقبل، في حال استمرار تجاهل مطالب المهنة.
من جانبه، أوضح سفيان آيت وعلي، المحامي بهيئة مكناس وعضو المكتب التنفيذي لفدرالية المحامين الشباب بالمغرب، أن الوقفة الاحتجاجية جاءت استجابة لنداء الفدرالية، التي دعت كافة الإطارات الشبابية المنضوية تحت لوائها، وكذا عموم المحاميات والمحامين عبر ربوع المملكة، إلى الانخراط في هذا الشكل النضالي دفاعا عن المهنة وعن موقعها داخل منظومة العدالة.
وأكد آيت وعلي أن الرسالة التي يراد تبليغها من خلال هذه الوقفة واضحة وصريحة، وهي “لا، ثم لا، لمشروع أريد به الإجهاز على مهنة المحاماة”، موضحا أن المشروع المقترح يتعارض بشكل مباشر مع المكتسبات المهنية التي راكمتها المهنة عبر عقود من النضال، ويمس جوهرها القائم على مبادئ الحرية، والحصانة، والكرامة، والاستقلالية المهنية.
واعتبر المتحدث أن خطورة المشروع لا تكمن فقط في بعض مقتضياته التقنية، بل في الفلسفة العامة التي تحكمه، والتي تهدف، حسب تعبيره، إلى “تقزيم مهنة المحاماة وتحويلها من رسالة إنسانية سامية تسهم في حماية الحقوق والحريات، إلى مجرد مهنة خدماتية تفرغ من بعدها الحقوقي والدستوري”.
وجدد آيت وعلي في ختام تصريحه على التأكيد على الرفض المطلق لهذا المشروع، مطالبا بسحبه الفوري وفتح حوار جاد ومسؤول مع الهيئات المهنية الممثلة للمحامين، من أجل إعداد نص قانوني توافقي يحترم استقلالية المهنة ويعزز دورها الدستوري في الدفاع عن الحقوق والحريات، محذرا من أن استمرار تجاهل صوت المحامين قد يؤدي إلى مزيد من الاحتقان داخل قطاع العدالة، ويؤثر سلبا على مناخ الثقة في المؤسسات وعلى السير العادي لمرفق القضاء.