تشهد الدراما التلفزيونية المغربية خلال السنوات الأخيرة تحولا نوعيا في اختياراتها الفنية والموضوعاتية، حيث بدأت مجموعة من الإنتاجات الحديثة في كسر النمط التقليدي الذي طبع الأعمال السابقة، والتي ظلت لسنوات طويلة حبيسة الدراما الاجتماعية الكلاسيكية، لتتجه نحو مقاربة أكثر عمقا، تستكشف الجانب النفسي للشخصيات وتعقيداتها الداخلية، فيما بات يعرف بالـ“سايكو دراما”.
هذا التحول لا يعكس فقط تنوعا في الأشكال الدرامية، بل يؤشر أيضا على وعي متزايد لدى صناع الدراما بأهمية الغوص في البعد النفسي للإنسان المغربي، باعتباره مدخلا أساسيا لفهم السلوك الفردي والجماعي. فالدراما النفسية لا تكتفي بعرض الحدث، بل تسعى إلى تفكيك أسبابه ودوافعه، وتطرح أسئلة مرتبطة بالهوية، الذاكرة، الصدمة، والاختيارات المصيرية، في انسجام مع تحولات المجتمع وتطور ذائقة المشاهد.
ويبرز ضمن هذا السياق مسلسل “البراني”، المرتقب عرضه خلال شهر رمضان المقبل، بمعدل حلقة واحدة في الأسبوع، في تجربة درامية غير مألوفة من حيث الإيقاع والبناء السردي. العمل من إخراج إدريس الروخ، ويعتمد على مقاربة نفسية في رسم الشخصيات، حيث تتقاطع مساراتها مع صراعات داخلية عميقة، تتجاوز الظاهر الاجتماعي إلى مناطق أكثر حساسية وتعقيدا. ويعرف المسلسل مشاركة مجموعة من الأسماء البارزة في الساحة الفنية، من بينهم عبد الإله رشيد ورباب كويد، إلى جانب ممثلين آخرين.
كما يندرج ضمن هذا التوجه مسلسل “شكون كان يقول”، الذي تم تصويره السنة الماضية تحت إدارة المخرجة صفاء بركة، ويقدم رؤية درامية تقوم على تحليل البعد النفسي للعلاقات الإنسانية، وما يرافقها من شك، تردد، وتأثير للماضي على الحاضر. ويتميز العمل ببناء شخصياته على أساس التجربة النفسية أكثر من الحدث الخارجي، معتمدا على أداء تمثيلي عميق لكل من ابتسام العروسي، محمد الكافي، فرح الفاسي، مهدي فولان، إلى جانب أسماء أخرى.
أما مسلسل “اختياري”، الذي لا يزال قيد التصوير بمدينة الدار البيضاء ونواحيها، فيمثل بدوره امتدادا لهذا المنحى الجديد، من خلال تناوله لمفهوم الاختيار وما يترتب عنه من تبعات نفسية وإنسانية. العمل من إخراج إدريس الروخ، ويغوص في التوترات الداخلية للشخصيات، مسلطا الضوء على صراعات القرار والمسؤولية، في سرد درامي يتقاطع فيه الشخصي بالوجودي. ويشارك في بطولته نخبة من الفنانين المغاربة، من بينهم راوية، عبد الإله رشيد، ابتسام العروسي، ماجدولين الإدريسي وسحر الصديقي، إلى جانب أسماء أخرى.
ويشكل هذا التوجه نحو السايكو دراما مرحلة مفصلية في تطور الدراما المغربية، لما يتطلبه من كتابة دقيقة تراعي العمق النفسي، وإخراج قادر على ترجمة الحالات الشعورية بصريا، وأداء تمثيلي يستند إلى الإحساس أكثر من الخطاب المباشر، كما يساهم هذا النوع من الأعمال في فتح نقاش مجتمعي حول قضايا الصحة النفسية، التي ظلت لفترة طويلة موضوعا مسكوتا عنه في الإنتاجات التلفزيونية.
وبهذا المعنى، تبدو الدراما المغربية اليوم أمام فرصة حقيقية لتجديد خطابها الفني، والانتقال من معالجة القضايا الاجتماعية في بعدها الخارجي، إلى مساءلة الإنسان المغربي من الداخل، عبر أعمال درامية توازن بين المتعة الفنية والعمق الإنساني، وتواكب التحولات الثقافية والنفسية التي يعرفها المجتمع