شكّل إعلان رئيس الحكومة عزيز أخنوش بعدم الترشح لترؤس حزب التجمع الوطني للأحرار لولاية جديدة، وعدم خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة، لحظة سياسية لافتة أثارت تعدد القراءات والتأويلات داخل الساحة الحزبية، سواء لدى الأغلبية الحكومية أو داخل صفوف المعارضة.
وفي قراءة تحليلية خلال برنامج على قناة ميدي 1 تي في، اعتبر د. ميلود بلقاضي، رئيس المرصد المغربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية، أن الأمر يتعلق قبل كل شيء بقرار حزبي داخلي، صادر عن رئيس أول حزب في المغرب، يشغل في الآن نفسه رئاسة الحكومة ورئاسة الحزب ورئاسة جماعة ترابية، وهو ما يفسر حجم المفاجأة التي أحدثها الإعلان.
مضيفا أن حزب التجمع الوطني للأحرار يوجد اليوم في وضع تنظيمي قوي، سواء من حيث القوة الكمية أو الكيفية، إذ يقود عددا كبيرا من الجهات، ونظم 12 تجمعا جهويا و72 تجمعا إقليميا، مع انخراط واضح في الدفاع عن حصيلة الحكومة. لكنه في المقابل أقر بوجود إجماع واسع داخل المجتمع المغربي حول اختلالات السياسة الاجتماعية للحكومة الحالية، وارتفاع منسوب الغلاء والفساد، وغياب ما يسمى بسياسة القرب، إضافة إلى إشكالات في التواصل العمومي المرتبطة بطبيعة السياسات المتبعة.
وشدد بلقاضي على أن النقاش لا ينبغي أن ينحرف نحو تقييم الأداء الحكومي بقدر ما يجب أن يركز على دلالات القرار ذاته، مبرزا أن أخنوش كان بإمكانه، من الناحية التنظيمية، المطالبة بتعديل النظام الداخلي للحزب من أجل التمديد لولاية ثالثة، دون أن يعارضه أحد، غير أنه اختار احترام القانون الحزبي، وهو ما فاجأ حتى قياديين داخل المكتب السياسي، الذين أكدوا بحسب المتحدث أنهم صدموا من قرار وصفه أخنوش بالنهائي.
ويرى بلقاضي أن تعدد القراءات أمر طبيعي، خاصة لدى الرأي العام غير الملم بتفاصيل التنظيمات الحزبية، مبرزا أن ما جرى يقدم نموذجا مختلفا في الممارسة الديمقراطية داخل ما يوصف أحيانا بـ “الأحزاب الإدارية”، ويجعل القرار ذا تأثير يتجاوز حزب الأحرار ليشمل باقي الأحزاب السياسية.
وبخصوص انعكاس الخطوة على تماسك الأغلبية الحكومية، استبعد بلقاضي حدوث أي ارتباك في ما تبقى من عمر الحكومة، معتبرا أن الارتباط داخل الأغلبية مؤسساتي وحزبي أكثر منه شخصي، وأن أخنوش سيظل رئيسا للحكومة إلى غاية الاستحقاقات المقبلة، ما يوفر عنصر الاستمرارية، غير أنه أقر في المقابل بأن خروج رئيس الحكومة من قيادة الحزب سيحرر النقاش السياسي داخل الأغلبية والمعارضة على حد سواء.
أما على مستوى المعارضة، فأكد بلقاضي أن الأحزاب المنافسة، من قبيل الاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، والعدالة والتنمية، وجدت نفسها أمام مفاجأة سياسية حقيقية، بعد أن كانت تركز انتقاداتها بشكل مباشر على شخص أخنوش، ما يفرض عليها اليوم القيام بنقد ذاتي وإعادة ترتيب استراتيجياتها وخطابها السياسي.
وفي سياق استشراف ملامح المرحلة المقبلة، أشار بلقاضي إلى أن قرار أخنوش لا يعني تراجعا كبيرا في موقع حزب التجمع الوطني للأحرار، كما أن الحكومة المقبلة، في نظره، لن تخرج عن الأحزاب المشكلة للأغلبية الحالية، مع بروز مؤشرات تنظيمية لصالح حزب الاستقلال، الذي وصفه بالحزب الأكثر جاهزية من حيث التنظيم والتحرك الميداني.
واعتبر المتحدث أن الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، يتوفر على مقومات رئيس حكومة محتمل، من حيث الكفاءة الأكاديمية ونظافة الذمة، دون أن يحسم في الأسماء، مؤكدا أن الحسم يبقى بيد الناخب المغربي وصناديق الاقتراع.
وفي ما يتعلق بحزب الأصالة والمعاصرة، أشار بلقاضي إلى أن الأنظار تتجه إليه أيضا في ظل حديث عن تغييرات قيادية محتملة، سواء عبر تكريس القيادة الثلاثية أو بروز أسماء مثل فاطمة الزهراء المنصوري، معتبرا أن وصول امرأة أو شاب لرئاسة الحكومة يبقى احتمالا واردا، إذا ما أفرزته الإرادة الشعبية.
وختم بلقاضي مداخلته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة، في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية دقيقة، تفرض الحاجة إلى رئيس حكومة بالمعنى الدقيق للكلمة، وإلى مؤسسات قوية، ومواطن ديمقراطي واع لا يبيع صوته، مشددا على أن الديمقراطية لا تختزل في الحكومة والبرلمان فقط، بل تبدأ من سلوك المواطن نفسه.