في خطوة غير مسبوقة داخل حزب يقود الحكومة منذ 2021، أعلن عزيز أخنوش، رئيس الحكومة ورئيس التجمع الوطني للأحرار، أنه حسم قراره بعدم الترشح لولاية ثالثة على رأس الحزب، واضعا بذلك حدا لمسار قيادي امتد منذ 2016، ومطلقا في الآن نفسه سباقا سياسيا صامتا داخل واحد من أقوى التنظيمات الحزبية في المشهد المغربي.
القرار، الذي كشف عنه أخنوش وأكده الحزب، لم يكن وليد اللحظة، بل اتخذه، بحسب قوله، مع مطلع السنة الجارية، رغم معارضة أولية من المكتب السياسي، قبل أن يظل متشبثا به باعتباره “خيارا شخصيا ونهائيا”. غير أن المفارقة أن الحزب قرر في الآن ذاته تمديد انتداب هياكله، بما فيها رئاسة أخنوش، إلى ما بعد انتخابات 2026، بدعوى “خصوصية المرحلة” واستنادا إلى المادة 34 من القانون الأساسي، ما يعني عمليا أن الرجل سيقود الحزب انتخابيا، لكنه لن يخلف نفسه بعد ذلك.
وبين مؤتمر استثنائي مرتقب في 7 فبراير المقبل، يفترض أن يحسم في القيادة الجديدة وخريطة الإعداد لانتخابات 2026، وبين تمديد الواقع القائم، تتجه الأنظار إلى الأسماء التي يمكن أن ترث إرث أخنوش داخل حزب “الحمامة”.
أول هذه الأسماء، وأكثرها تداولا في الكواليس، هو مولاي حفيظ العلمي، رجل الأعمال القوي ووزير الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي السابق.
العلمي، الذي توارى عن الأضواء خلال السنوات الأخيرة، راكم تجربة سياسية واقتصادية ثقيلة، من رئاسته للاتحاد العام لمقاولات المغرب، إلى إدارته قطب التأمين داخل مجموعة “أونا”، مرورا بدوره المركزي في الحكومات المتعاقبة منذ 2013، كما أن حضوره داخل الحزب لم ينقطع، رغم ابتعاده عن الواجهة، ويُنظر إليه كأحد القلائل القادرين على الجمع بين منطق الدولة ومنطق السوق، وهي الثنائية التي شكلت العمود الفقري لمرحلة أخنوش.
إلى جانبه، يبرز اسم محمد أوجار، عضو المكتب السياسي وواحد من الوجوه التي تجمع بين السياسة والدبلوماسية وحقوق الإنسان، وهو ما دفعه لتقديم ترشحه يوم أمس كأول الوجوه المتبارية على المنصب.
أوجار شغل مناصب وازنة، من وزارة العدل إلى سفارة المغرب بجنيف، مرورا بوزارة حقوق الإنسان، وكان فاعلا في المجتمع المدني والإعلام الحقوقي، كما أن رصيده داخل الحزب وخارجه يمنحه صورة “السياسي المؤسساتي” القادر على مخاطبة الداخل والخارج، وهو ما قد يكون ورقة مهمة لحزب يقود الحكومة في مرحلة حساسة إقليميا ودوليا.
أما الطالبي العلمي، فيمثل نموذجا مختلفا للقيادة، رجل ظل يشتغل في بعيدا عن الأضواء، لكنه يُعد من “الديناموهات” الحقيقية داخل التجمع الوطني للأحرار، بخلفية أكاديمية في المالية المحلية من جامعة نيويورك، وتجربة طويلة في التدبير الترابي واللامركزية، من رئاسة جهة طنجة-تطوان إلى قيادة الفريق النيابي للحزب، مرورا بعدة حقائب وزارية، حيث يجسد العلمي نموذج “التكنوقراطي السياسي” الذي يعرف دهاليز الدولة والحزب في آن واحد، وقدرته على نسج التوازنات الداخلية، واشتغاله الهادئ بعيدا عن الأضواء، يجعلان اسمه مطروحا بقوة في حسابات الخلافة.
وان اكد لبعض المواقع انه لن يترشح وسيترك المجال للشباب. ،هي فكرة يرددها كثيرا في لقاءاته الجهوية.
وفي سياق سعي الحزب إلى تجديد صورته، يطفو أيضا اسم نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، كخيار نسوي محتمل لقيادة “الأحرار” في المستقبل. فتاح العلوي ليست فقط أول امرأة تتولى حقيبة المالية في تاريخ المغرب، بل هي أيضا سيدة أعمال سابقة، وخريجة “HEC” الفرنسية، ووجه دولي اختير ضمن أفضل القيادات النسائية الإفريقية، كما ان مسارها داخل الحكومة، من السياحة إلى المالية، منحها حضورا قويا داخل الحزب وخارجه، وقد تكون، في لحظة سياسية مواتية، عنوانا لانتقال رمزي نحو قيادة أكثر تنوعا وحداثة.
بين هذه الأسماء الأربعة، تتوزع ملامح مرحلة ما بعد أخنوش داخل التجمع الوطني للأحرار، رجل الأعمال القوي، السياسي-الدبلوماسي، التكنوقراطي الترابي، والوجه النسوي الصاعد.
وما سيحسم في النهاية ليس فقط السير الذاتية، بل أيضا ميزان القوى داخل المكتب السياسي، وقراءة الحزب لاستحقاقات 2026، وهل يحتاج إلى استمرارية في “نموذج أخنوش” أم إلى قطيعة هادئة معه.
وفي كل الحالات، يبدو أن إعلان أخنوش عدم الترشح لولاية ثالثة لم يكن نهاية قصة، بل بداية فصل جديد داخل حزب أصبح اليوم أمام أول انتقال قيادي حقيقي منذ عقد من الزمن.