الشعب الجزائري يواجه الأمرين بسبب حماقة نظام وبؤس إعلام

في أعقاب إقصاء المنتخب الجزائري من ربع نهائي كأس الأمم الإفريقية المقامة بالمغرب، دخل جزء من الإعلام الجزائري في موجة من الاتهامات التي خرجت عن كل منطق رياضي أو مهني، حين جرى الزج بإسرائيل وفوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، في روايات أقرب إلى نظرية المؤامرة منها إلى التحليل الكروي الرصين.

وحسب مراقبين فإن هذه الادعاءات، التي روجت لفكرة “الكولسة” والتدخل الخارجي لإقصاء الجزائر، لم تثر سوى موجة واسعة من السخرية على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة في ظل المعطيات التقنية الواضحة للمباراة التي جمعت الجزائر بنيجيريا ضمن ربع النهائي، حيث كان المنتخب النيجيري الطرف الأفضل، فيما فشل المنتخب الجزائري في بلوغ شباك خصمه ولم يسجل أي تسديدة مؤثرة وفق الإحصائيات الرسمية.

فهذا الانفصال التام بين الخطاب الإعلامي الجزائري والوقائع الميدانية يعكس، بحسب متابعين، حالة “من الهوس المرضي بالمغرب وبما يحققه من نجاحات متتالية، ليس فقط على مستوى النتائج، بل على مستوى التنظيم والبنية التحتية والصورة العامة التي يقدمها للمنافسات القارية”.

وبدل أن ينكب هذا الإعلام على تشريح أسباب الإقصاء تقنيا ورياضيا، لجأ إلى تصدير الأزمات نحو الخارج، في محاولة يائسة لصرف انتباه الرأي العام الجزائري عن اختناقات اقتصادية واجتماعية خانقة يعيشها المواطن الجزائري يوميا، من تراجع القدرة الشرائية إلى أزمات التزود بالمواد الأساسية.

في هذا السياق، يتضح أن الهجوم على المغرب وكأس إفريقيا ليس سوى جزء من استراتيجية أوسع لتصدير الإخفاقات الداخلية وإلباسها لبوس “المؤامرة الخارجية”، رغم أن الوقائع على الأرض تدحض هذا الخطاب من جذوره. فهذه النسخة من كأس الأمم الإفريقية التي يحتضنها المغرب تحولت، باعتراف الخصوم قبل الأصدقاء، إلى واحدة من أنجح الدورات في تاريخ المسابقة، سواء من حيث جودة الملاعب أو سلاسة التنظيم أو مستوى الأمن والاستقبال.

ويكفي في هذا الإطار التوقف عند رسالة صامويل إيطو، رئيس الاتحاد الكاميروني لكرة القدم وأحد أساطير الكرة الإفريقية، الذي وجه شكرا وتقديرا مباشرين إلى فوزي لقجع، معبرا عن امتنانه العميق لحسن الاستقبال وكرم الضيافة وجودة التنظيم.

فإيطو شدد على أن التجربة المغربية كانت نموذجية بكل المقاييس، وأن بعثة بلاده، رغم مغادرتها المنافسة، خرجت بانطباع إيجابي قوي عن الاحترافية التي ميزت هذه النسخة، مؤكدا أن المغرب وفر كل الشروط اللازمة لنجاح العرس القاري، من بنية تحتية ولوجستيك وحفاوة استقبال لجميع الوفود دون استثناء.

الصوت نفسه جاء من القاهرة، حيث لم يتردد محمد صلاح، قائد المنتخب المصري، في الإشادة بالأجواء التي يعيشها رفقة “الفراعنة” بالمغرب، معتبرا أن هذه المشاركة تعد الأفضل في مسيرته الإفريقية.

صلاح، عقب تأهل منتخب بلاده إلى المربع الذهبي، أبرز أن التنظيم في المغرب بلغ مستوى عالٍ، سواء من حيث البنية التحتية أو الجوانب الأمنية، معبرا عن امتنانه للمملكة ومؤكدا أن الظروف الحالية تساعد المنتخبات على التركيز على الأداء داخل الملعب فقط.

وحتى داخل المعسكر الجزائري نفسه، وقبل لحظة الإقصاء، كان الخطاب مختلفا تماما عما يروج له إعلام بلاده لاحقا، إذ عبّر فلاديمير بيتكوفيتش، مدرب المنتخب الجزائري، عن رضاه الكامل عن ظروف تنظيم البطولة، مشيدا بجودة البنية التحتية وجاهزية الملاعب، ومؤكدا أن التساقطات المطرية التي عرفتها بعض المباريات لم تؤثر على جودة المنافسة بفضل الاحترافية التنظيمية التي ميزت المغرب، وهو ما يطرح التساؤل “ماذا تغير؟”.

وفي سياق ذي صلة و أمام هذا الإجماع الإفريقي والدولي، تبدو حملة الإعلام الجزائري أشبه بمحاولة بائسة لتشويه نجاح لم يعد قابلا للإنكار، وهو نجاح يغيظ هذا الخطاب لأنه يعرّي في المقابل عجزه عن تقديم نموذج إيجابي لشعبه.

وبدل أن يكون الإعلام جسرا للحقيقة، اختار بعضه أن يتحول إلى أداة لنفث السموم، في وقت يحتاج فيه المواطن الجزائري إلى خطاب مسؤول يعالج أزماته بدل الهروب منها عبر مهاجمة المغرب والتشكيك في بطولة باتت، باعتراف الجميع، علامة فارقة في تاريخ الكرة الإفريقية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *