اعتبر الكثير من المهتمين ان نتائج الانتخابات التشريعية بالجزائر كانت منتظرة في ظل نظام سياسي عسكري مقيت ومؤسسات سياسية مهترئة وأوضاع اقتصادية واجتماعية خانقة وشعب يائس.
وما ضعف نسبة المشاركة، التي لم تتجاوز نحو 21% داخل الوطن وفق النتائج الرسمية المؤقتة الا مؤشرا على ما قلناه سابقا.
وهي من أضعف نسب المشاركة في تاريخ الانتخابات التشريعية الجزائرية، رغم الدعوات الرسمية إلى المشاركة ، بما يعكس اتساع فجوة الثقة بين المواطن والنظام من جهة ، وبين المواطن والمؤسسات التمثيلية من جهة أخرى.
ضعف المشاركة الشعبية او مقاطعة المواطن لصناديق الاقتراع في هذه الانتخابات التشريعية أفقدتا النظام السياسي الجزائري ومؤسساته الشرعية الشعبية والمشروعية السياسية .
والسبب الرئيسي في مقاطعة هذه الانتخابات هو اقتناع الشعب الجزائري بانها لن نتغير في شيئ، فالنتائج محسومة من قبل، وهو ما يفسر محافظة الأحزاب التقليدية الداعمة للسلطة على الصدارة، حيث تصدرت جبهة التحرير الوطني النتائج النهائية بـ91 مقعداً، تلتها أحزاب موالية أخرى، وهو ما يعني استمرار موازين القوى نفسها داخل المجلس الشعبي الوطني، دون بروز بديل سياسي قادر على إحداث تغيير في المشهد العام.
نتائج الانتخابات التشريعية بالجزائر تكسف عن أزمة تمثيلية أكثر منها أزمة انتخابية. فحين يُنتخب برلمان بمشاركة نحو خمس الهيئة الناخبة فقط، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن فاز، بل بمدى القوة السياسية والاجتماعية التي يستند إليها هذا البرلمان في تمثيل المجتمع. فالشرعية القانونية متوفرة، لكن النقاش يبقى قائماً حول مستوى الشرعية السياسية الناتجة عن ضعف الإقبال.
![]()
كما أن الانتخابات أظهرت استمرار العزوف السياسي لدى الشباب، وضعف قدرة الأحزاب على تجديد النخب واستقطاب فئات جديدة، وهو ما يجعل المنافسة الانتخابية تبدو، بالنسبة لقطاع واسع من الجزائريين، غير قادرة على إحداث تغيير ملموس في السياسات أو في طبيعة الحكم.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين القراءة التحليلية والحكم القيمي. فاعتبار النتائج “كارثة” يعبر عن تقييم سياسي مشروع لدى بعض المحللين، لكنه ليس حقيقة موضوعية متفقاً عليها. ففي المقابل، ترى السلطات الجزائرية والأحزاب الفائزة أن الانتخابات جرت في ظروف عادية وأفرزت مؤسسات دستورية وفق المسار القانوني المعتمد.
لذلك، فإن الوصف الأكثر دقة من منظور أكاديمي هو أن الانتخابات التشريعية الجزائرية لسنة 2026 كشفت عن أزمة ثقة عميقة بين المجتمع والطبقة السياسية أكثر مما كشفت عن أزمة في آليات الاقتراع نفسها. فالنتائج لم تغيّر موازين القوى السياسية، بينما أكدت أن التحدي الحقيقي أمام النظام السياسي الجزائري لم يعد فقط تنظيم الانتخابات، بل استعادة ثقة الناخب وإقناعه بأن صوته قادر على إحداث تغيير حقيقي.
أفرزت الانتخابات التشريعية الجزائرية برلمانًا جديدًا حافظت فيه أحزاب الموالاة على موقعها المهيمن، لكن القراءة السياسية الأعمق تكشف أن الحدث الأبرز لم يكن توزيع المقاعد، بل الرسالة التي بعث بها الناخب الجزائري من خلال نسبة المشاركة المتدنية تاريخيًا، والتي بلغت نحو 20.79% وفق الأرقام الأولية الرسمية، وهي الأدنى منذ الاستقلال.
فالنتائج تشير إلى أن أحزاب الموالاة احتفظت بأغلبية مريحة داخل المجلس الشعبي الوطني، إذ حصلت مجتمعة على حوالي 256 مقعدًا من أصل 407، بينما تراجعت أحزاب المعارضة ولم تتمكن من تحويل مشاركتها إلى مكاسب سياسية كبيرة. غير أن هذه الأغلبية الرقمية لا تعني بالضرورة اتساع القاعدة الشعبية للنظام السياسي، لأن نسبة الإقبال الضعيفة تجعل الشرعية الاجتماعية للبرلمان محل نقاش سياسي أكثر من كونها محل جدل قانوني.
من زاوية علم السياسة، لا ينبغي قراءة هذه الانتخابات باعتبارها مجرد منافسة بين الأحزاب، بل باعتبارها اختبارًا للعلاقة بين الدولة والمجتمع بعد سنوات من الحراك الشعبي، والإصلاحات الدستورية، والتعديلات التي طالت قانوني الأحزاب والانتخابات. وكان الرهان الأساسي للسلطات هو رفع نسبة المشاركة لإظهار عودة الثقة في المؤسسات المنتخبة، غير أن الأرقام أوحت بأن فجوة الثقة ما زالت قائمة.
وتفسر عدة عوامل هذا العزوف. أولها أن الحملة الانتخابية بدت باهتة وخالية من النقاشات السياسية الكبرى، حيث غلب عليها الطابع الإداري أكثر من التنافس البرامجي. كما أن معظم الأحزاب قدمت وعودًا متشابهة دون أن تطرح مشاريع قادرة على إقناع الشباب والطبقة الوسطى بجدوى المشاركة. أضف إلى ذلك أن الانتخابات جاءت في ظرف اقتصادي واجتماعي يتسم بارتفاع تطلعات المواطنين مقابل بطء الإصلاحات.
ومن جهة أخرى، تكشف النتائج استمرار قوة الدولة أكثر من قوة الأحزاب. فالمشهد الحزبي الجزائري ما يزال يعاني من ضعف التجذر المجتمعي، بينما تظل الإدارة والمؤسسات الرسمية الفاعل الأكثر تأثيرًا في ضبط العملية السياسية. ولذلك فإن الفوز الانتخابي لأحزاب الموالاة لا يعكس بالضرورة توسع شعبيتها، بل يعكس استمرار ميزان القوى القائم داخل النظام السياسي الجزائري العسكري.
belcadi@belpresse.com