ليست مشاهد الهروب الجماعي للشباب المغربي نحو سبتة التي عشناها وشهدناها مؤخرا، مجرد واقعة عابرة يمكن احتواؤها بتعزيز الحواجز الأمنية أو بملاحقة المحرضين على الهجرة غير النظامية.
إنها في جوهرها، رسالة سياسية واجتماعية عميقة الدلالة، تكشف عن اتساع الهوة والمسافة بين تطلعات جيل كامل وبين قدرة السياسات العمومية والمؤسسات السياسية على تحويل تلك التطلعات إلى أمل واقعي في العمل والكرامة والارتقاء الاجتماعي.
فعندما يصبح البحر، بكل مخاطره، أقل تخويفا في نظر بعض الشباب من البقاء في وطنهم دون أفق واضح، فإن السؤال لم يعد فقط سؤال هجرة، بل أصبح سؤالاً عن حصيلة السياسات، وفعالية المؤسسات، وجودة الوساطة السياسية، ومستوى الثقة في المستقبل.
فالهروب الجماعي ليس حادثا أمنيا عابرا يمكن غض الطرف عنه، بل إنذارا اجتماعيا وسياسيا خطيرا.
ولهذا فنحن أمام سؤال مركزي ومحوري كبير؛
ما الذي جعل آلاف الشباب قابلين للاستجابة لدعوة تدفعهم إلى المخاطرة بحياتهم؟
لابد من الاعتراف في البداية، إن الشاب الذي يفكر في الهجرة بحثا عن العمل، يبحث أيضا عن الاعتراف الاجتماعي، وعن الاستقلال الاقتصادي، وعن إمكانية تأسيس أسرة، وعن الشعور بأن الجهد والكفاءة يمكن أن يؤديا إلى الارتقاء الاجتماعي.
كما أنه لا يكفي أمام هذا المشهد المثير، تفسير الظاهرة بالفقر أو البطالة أو تأثير شبكات التواصل الاجتماعي وحدها.
فالهروب الجماعي هو بمثابة نقطة التقاء، وملتقى تقاطع لاختلالات متعددة: بطالة الشباب، هشاشة جزء واسع من فرص الشغل، ضعف الحركية الاجتماعية، الإحساس بعدم تكافؤ الفرص، تفاوتات مجالية مستمرة، أزمة المدرسة والتكوين، وتراجع قدرة المؤسسات الوسيطة على احتضان الشباب وتأطيره وإقناعه بأن المستقبل داخل الوطن وليس خارجه.
يمكن القول إن الحكومة لا تتحمل وحدها تراكمات عقود كاملة، ولكن لا يجوز أيضاً إعفاؤها من مسؤوليتها السياسية في تقييم نتائج السياسات العمومية التي تنهجها. وفي تحديد الأولويات التي اختارتها والتي اشتغلت عليها، والتي أوصلت إلى الوضع الحالي المأزوم.
فالحكومة مسؤولة عن التشغيل، وعن الاستثمار العمومي، وعن التعليم والتكوين، وعن العدالة المجالية، وعن حماية القدرة الشرائية، وعن خلق شروط الاندماج الاقتصادي للشباب. وهذه كلها عوامل أدت إلى بلورة مفهوم الهجرة الجماعية، والتشجيع عليها.
إلا أنه لابد من القول كذلك، إن الأحزاب السياسية تتحمل بدورها جزءاً مهماً من المسؤولية.
فالدستور لم يجعل الأحزاب آلات انتخابية، وإنما أناط بها وظيفة رئيسية تتجلى في تأطير المواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وتدبير الشأن العام.
لكن عندما يفقد الشباب علاقته بالحزب، وبالنقابة، وبالجمعية، وبالجامعة، وبالفضاءات الثقافية، تصبح شبكات التواصل الاجتماعي مؤسسة التنشئة السياسية والاجتماعية البديلة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، حيث انتقل جزء من الشباب من التأطير المؤسساتي إلى التعبئة الرقمية العشوائية.
وهذا يعني أن الفراغ الذي تركته الأحزاب والمؤسسات الوسيطة ملأته الخوارزميات والمؤثرون والإشاعات وشبكات الهجرة.
ويمكن القول في هذه الحالة، إن المسؤولية عن هذا الواقع غير العادي جماعية لكنها ليست متساوية.
فالحكومة مسؤولة عن اختياراتها، وعن فعالية السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتشغيلية.
والجماعات الترابية مسؤولة عن التنمية المحلية وعن جاذبية المجالات الترابية.
في حين الأحزاب مسؤولة عن إعادة تأطير الشباب وفتح المجال أمام النخب الجديدة، وتشجيع ثقافة الوطنية، وحب الوطن.
بينما المدرسة والجامعة مسؤولتان عن التربية على المواطنة وربط التكوين بفرص الحياة والعمل.
كما أن وسائل الإعلام مسؤولة عن توعية الرأي العام حول خطورة نشر ثقافة الهجرة باعتبارها الملجأ الوحيد لتحقيق النجاح وبناء المستقبل.
وتبقى الأسرة والمجتمع المدني مسؤولان عن محاربة الصورة الرومانسية للهجرة غير النظامية لدى الشباب.
أما الدولة بمفهومها الاستراتيجي، فمسؤوليتها مركزية تتجلى في جمع هذه السياسات ضمن رؤية وطنية شاملة، تجعل المواطن في قلب الأمن الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والسيادة الوطنية.
وأمام هذا الواقع، ومن أجل مواجهة هذه التحديات، وإيجاد حلول حقيقية تعالج الأزمة في عمقها، أرى أنه من الضروري على الحكومة المقبلة اتخاذ الإجراءات الاستثنائية التالية:
– إحداث برنامج وطني استعجالي لتشغيل الشباب، مع توجيه خاص نحو المناطق التي تعرف معدلات مرتفعة للهجرة.
– إعادة تقييم السياسات العمومية وبرامج التشغيل السابقة وفق مؤشرات النتيجة لا وفق حجم الميزانيات المصروفة.
– وضع برنامج خاص للشباب المنقطعين عن التعليم والتكوين، لأن ترك مئات الآلاف خارج مؤسسات الإدماج يشكل خطراً اجتماعياً طويل المدى.
– إحداث مخطط تنموي استثنائي للشريط الحدودي الشمالي، يركز على الاستثمار المنتج وفرص العمل والمقاولات الصغرى والمتوسطة والتكوين المهني.
لقد آن الأوان في تقديري، لأن يفتح المغرب، بهدوء ومسؤولية وبعد استراتيجي، ملف استكمال وحدته الترابية في الشمال، لا بمنطق الصدام مع إسبانيا، وإنما بمنطق الدولة الواثقة من تاريخها والمؤمنة بمصالحها وبقدرتها على التفاوض. وأنا لي الثقة الكاملة في الديبلوماسية المغربية بعد النجاحات الكبيرة التي حققتها خاصة في ملف الصحراء المغربية.
وفي الوقت نفسه، آن الأوان كذلك لإدراك الدولة حقيقة أكثر إلحاحا وأكثر مرارة.
الدولة التي تريد استرجاع أرضها، يجب أولا أن تسترجع ثقة شبابها. فالشباب هم الركيزة الأساس للمجتمع، ولا مستقبل لأمة من دون شبابها.
فحين يصبح الوطن فضاء للكرامة والعمل والأمل والارتقاء الاجتماعي، لن تقف الدولة فقط أمام حدود أكثر أمناً، بل أمام مواطن أكثر تمسكاً بوطنه، وأكثر إيمانا بوطنيته، وأكثر طموحا بمستقبله.
وعندها تصبح قضية سبتة ومليلية قضية استكمال للوحدة الترابية لا بوابة للهروب منها.
وعليه، فإن النقاش الحقيقي اليوم لا ينبغي أن ينحصر في سؤال:
كيف نمنع الشباب من الهروب؟
بل يجب أن يبدأ من سؤال أكثر عمقاً وجرأة:
ماذا فعلت الحكومة لكي تمنحهم أسباب الإيمان بالوطن والبقاء فيه؟
وماذا فعلت الأحزاب لكي تجعلهم يؤمنون بأن العمل السياسي قادر على تغيير واقعهم وبناء مستقبلهم؟
إن الهروب الجماعي، بهذا المعنى، ليس أزمة حدود فحسب؛ إنه امتحان للسياسات العمومية، واختبار لمصداقية الأحزاب، وإنذار حول علاقة جيل جديد بالدولة والسياسة والمستقبل.
ومن لا يقرأ هذه الرسالة اليوم باعتبارها دعوة إلى المراجعة والإصلاح وإعادة النظر، قد يجد نفسه غداً أمام أزمة أعمق من أن تعالجها الحواجز أو الحملات الظرفية أو ردود الأفعال.
بقلم: خالد الطرابلسي
فاعل وباحث سياسي