انتُخب أحمد التويزي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، رئيساً لمجلس النواب يوم 13 أكتوبر 2026، في محطة مؤسساتية جديدة من مسار الحياة البرلمانية المغربية. وهي محطة لا تعني انتقالاً في رئاسة الغرفة الأولى فحسب، بل تفتح اختباراً جديداً لقدرة المؤسسة التشريعية على الاضطلاع بأدوارها الدستورية، في سياق يتطلب تعزيز الثقة في المؤسسات وربط العمل السياسي بنتائج ملموسة في حياة المواطنين.
وقد حصل التويزي على 220 صوتاً من أصل 369 صوتاً، مقابل 59 صوتاً لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي عن حزب العدالة والتنمية، فيما بلغ عدد الأصوات الملغاة 90 صوتاً. وجرى الاقتراع طبقاً للفصل 62 من الدستور ومقتضيات النظام الداخلي للمجلس. وتضع هذه النتيجة على عاتق الرئيس مسؤولية تدبير التعددية السياسية وصيانة التوازن بين مكونات المؤسسة التشريعية.
من شرعية الانتخاب إلى مسؤولية التدبير
انتخاب رئيس مجلس النواب بداية المسؤولية وليس نهايتها. فالرئاسة ليست امتداداً للانتماء الحزبي ولا منبراً لمواقف الأغلبية وحدها، بل مسؤولية مؤسساتية تقتضي ضمان شروط ممارسة العمل البرلماني لجميع الفرق والمجموعات النيابية، وفق الدستور والنظام الداخلي.
وفي هذا السياق، يكتسي تعهد التويزي بأن يكون رئيساً لجميع النواب، أغلبية ومعارضة، أهمية خاصة؛ إذ يضع معياراً واضحاً لتقييم الممارسة خلال الولاية الجديدة: احترام حقوق النواب، وتكافؤ فرص التعبير، وحسن تدبير الجلسات. ويكتسي هذا المعيار بعداً دستورياً، لأن الفصل 10 من الدستور يضمن للمعارضة حقوقاً تتيح لها المشاركة الفعلية في العمل البرلماني. والرهان أن يظل الاختلاف السياسي رافعةً للنقاش الديمقراطي لا سبباً لتعطيل وظائف المؤسسة.
وقوة الرئاسة لا تُقاس بتدبير الزمن البرلماني فحسب، بل بحماية مصداقية المؤسسة، وصيانة استقلالية النقاش داخلها، وتوفير شروط الحوار المسؤول بين الأغلبية والمعارضة.
جودة التشريع.. المعيار الحقيقي للعمل البرلماني
من الأفكار التي ينبغي أن توجّه عمل المجلس أن جودة التشريع تتقدم على عدد النصوص المصادق عليها. وهي مسألة تتجاوز البعد التقني لإنتاج القوانين، لتلامس جوهر دولة القانون وفعالية السياسات العمومية.
فالتشريع الجيد ليس مجرد نص يستوفي المسطرة القانونية، بل نص واضح ومنسجم مع الدستور، وقابل للتنفيذ، ومستجيب لحاجات المجتمع، ومبنيّ على تقدير آثاره الاقتصادية والاجتماعية والمالية.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تطوير النقاش البرلماني حول مشاريع القوانين، وتعزيز دور اللجان الدائمة في التدقيق والتقييم، والاستفادة من الخبرة الجامعية والمؤسساتية، والاستماع إلى الفاعلين المعنيين، حتى لا تتحول المصادقة على النصوص إلى غاية في حد ذاتها.
كما يظل تعزيز المبادرة التشريعية للنواب مدخلاً أساسياً لإغناء النقاش العمومي، وإبراز دور البرلمان في اقتراح الحلول وليس فقط مناقشة المبادرات المحالة عليه.
مراقبة الحكومة.. من السؤال البرلماني إلى تتبع النتائج
تُعدّ مراقبة العمل الحكومي من الوظائف الأساسية للبرلمان في النظام الدستوري المغربي. غير أن فعالية هذه الوظيفة لا تُقاس بعدد الأسئلة الشفوية والكتابية وحدها، بل بقدرتها على مساءلة السياسات العمومية، وكشف الاختلالات، وتتبع تنفيذ الالتزامات، وتحسين جودة التدبير العمومي.
وتقتضي المرحلة المقبلة تطوير أدوات تتبع البرامج الحكومية، وتعزيز استثمار المعطيات والتقارير الرقابية، وربط المناقشة البرلمانية بمؤشرات قابلة للقياس، خاصة في القطاعات المرتبطة مباشرة بالحقوق الاجتماعية والخدمات الأساسية، كالصحة والتعليم والتشغيل والاستثمار والحماية الاجتماعية. والغاية أن تفضي المراقبة إلى نتائج عملية، وأن تُطالَب الحكومة بأجوبة دقيقة حول الإنجاز والتأخر والكلفة والأثر.
فالبرلمان الفعّال لا يكتفي بتسجيل المواقف، بل يساهم في بناء ثقافة مؤسساتية قوامها تقديم المعطيات، وتوضيح المسؤوليات، وتتبع تنفيذ التوصيات.
تقييم السياسات العمومية.. الرهان الذي يتجاوز منطق الحصيلة
يسند الفصل 70 من الدستور إلى البرلمان اختصاص تقييم السياسات العمومية، كما يخصص الفصل 101 جلسة سنوية لمناقشتها. وهو اختصاص يتيح الانتقال من مراقبة القرارات والإجراءات إلى فحص النتائج الفعلية للبرامج العمومية ومدى استجابتها لحاجات المواطنين.
ويقتضي تفعيل هذا الدور تعزيز التنسيق بين اللجان البرلمانية، والاستفادة من تقارير المؤسسات الدستورية والرقابية، وتطوير أدوات تحليل الأثر، بما يسمح بمقارنة الأهداف المعلنة بالنتائج المحققة.
ففي مجال الصحة، مثلاً، لا يكفي الإعلان عن مشاريع جديدة أو موارد مالية إضافية، بل ينبغي تقييم أثرها على الولوج إلى العلاج، وتوزيع الخدمات بين الجهات، والموارد البشرية، وجودة التكفل بالمرضى. وفي التعليم، لا يقتصر التقييم على البنيات والتجهيزات، بل يشمل جودة التعلمات والإنصاف وتكافؤ الفرص.
ومن هنا، يمكن للولاية الجديدة أن تجعل من تقييم السياسات العمومية آلية لترسيخ المساءلة وتحسين القرار العمومي، شريطة أن يقوم على معطيات موثوقة، ومعايير واضحة، وتوصيات قابلة للتنفيذ والتتبع.
الدبلوماسية البرلمانية.. امتداد للمصالح الاستراتيجية للمغرب
تحتل الدبلوماسية البرلمانية موقعاً متزايد الأهمية في العلاقات الدولية، بالنظر إلى قدرتها على بناء جسور التواصل مع المؤسسات التشريعية الأجنبية، وتبادل الخبرات، والتعريف بمواقف المغرب ومصالحه الاستراتيجية.
وقد أكد رئيس المجلس، في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، أهمية تعبئة مختلف الإمكانيات الدبلوماسية لتحصين المكتسبات وتعزيزها، لا سيما في ضوء الزخم الذي أتاحه قرار مجلس الأمن رقم 2797، مبرزاً دور الدبلوماسية البرلمانية رافعةً أساسية لإسناد الجهود الدبلوماسية الرسمية.
ويظل الرهان هو تطوير دبلوماسية برلمانية منتظمة ومؤطَّرة بالأولويات الوطنية، تقوم على التنسيق مع الدبلوماسية الرسمية، واستثمار الشراكات البرلمانية في الدفاع عن المصالح العليا للمملكة، وتوسيع مجالات التعاون في القضايا الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية.
التحدي المركزي: إعادة وصل المؤسسة التشريعية بالمواطن
لا يمكن تقييم أداء مجلس النواب بمعزل عن علاقته بالمجتمع. فالمواطن ينتظر من المؤسسة التشريعية أن تكون فضاءً للتعبير عن انشغالاته، ومراقبة تدبير الشأن العام، ومناقشة السياسات التي تمس حياته اليومية.
ومن ثم، يمر تعزيز الثقة عبر تطوير التواصل المؤسساتي، وتيسير الولوج إلى المعلومات المتعلقة بالعمل البرلماني، وإبراز نتائج الرقابة والتقييم، وتوضيح كيفية التعامل مع التوصيات والالتزامات الحكومية.
كما أن الانفتاح على الجامعة ومراكز البحث والمجتمع المدني من شأنه أن يساهم في تجويد النقاش البرلماني وتوسيع القاعدة المعرفية التي تستند إليها التشريعات والسياسات العمومية.
خاتمة: المسؤولية المؤسسية قبل الاعتبارات الحزبية
يفتح انتخاب أحمد التويزي رئيساً لمجلس النواب مرحلة جديدة، تتحدد قيمتها بما ستشهده من ممارسة فعلية للاختصاصات الدستورية، وليس بما يُعلن في الخطابات الافتتاحية.
فالرهان الأساسي أمام الرئاسة يتمثل في الجمع بين حسن تدبير المؤسسة، وضمان حقوق الأغلبية والمعارضة، وتحسين جودة التشريع، وتعزيز مراقبة الحكومة، وتفعيل تقييم السياسات العمومية، وتقوية الصلة بين البرلمان والمواطن.
ومن منظور القانون العام والعلوم السياسية، ترتبط فعالية المؤسسة التشريعية بقدرتها على تحويل القواعد الدستورية إلى ممارسة يومية، وتحويل النقاش السياسي إلى مساءلة مسؤولة، وتحويل الاختصاصات القانونية إلى نتائج ملموسة.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي لرئاسة التويزي لن يكون في لحظة انتخابه، بل في قدرة المجلس، خلال الولاية الجديدة، على ترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل من الدستور مرجعاً للممارسة، ومن التعددية مصدر قوة، ومن المصلحة العامة معياراً للعمل البرلماني.