د. م، ابراهيم سدرة يكتب :تكوينات الزمن الميسر بين الحقيقة والمزايدات

 

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن تكوينات الزمن الميسر بالتعليم العالي، وكثرت معه المواقف والانتقادات والتراشقات المتناسلة، إلى درجة أصبح معها الموضوع يقدم للرأي العام وكأنه معركة بين من يدافع عن مجانية التعليم العمومي ومن يريد ضربها أو التخلي عنها. والحقيقة أن هذا التقديم يختزل موضوعا مركبا في شعار واحد، ويخلط بين قضايا مختلفة، من قبيل مجانية التعليم، والحق في الولوج إلى الجامعة، وتوسيع العرض التكويني، وتدبير المقاعد الدراسية، وتنظيم الزمن الجامعي، وتنويع موارد الجامعة العمومية.

 

وقبل الحديث عن المجانية، هناك حق أساسي وأكثر إلحاحا هو حق الطالب في الحصول على مقعد دراسي. فما جدوى أن نقول لطالب حاصل على الإجازة إن التعليم العالي مجاني، بينما لا يجد أصلا مقعدا لمتابعة دراسته، خاصة في سلكي الماستر والدكتوراه؟ لقد عشنا لسنوات وضعا غير سليم، حيث كان الطلبة المتفرغون للدراسة يتنافسون على المقاعد نفسها مع الموظفين والأجراء وأصحاب المهن، من أساتذة ومحامين وموظفين وأطر وغيرهم. وبحكم ما يتوفر عليه هؤلاء من تجربة مهنية وتراكم معرفي وخبرة في اجتياز المباريات والاختبارات، كانوا في كثير من الأحيان قادرين على تحقيق نتائج متقدمة، فيستفيدون من نسبة مهمة من المقاعد المحدودة، بينما يجد عدد كبير من الطلبة حديثي التخرج أنفسهم محرومين من استكمال دراستهم، لا لعدم استحقاقهم، وإنما بسبب محدودية العرض واحتدام المنافسة بين فئات تختلف في وضعياتها وحاجاتها. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل تكافؤ الفرص يعني أن نضع الجميع في المنافسة نفسها على المقاعد نفسها، أم أن الإنصاف يقتضي توفير مسارات مختلفة تستجيب لاختلاف الأوضاع والاحتياجات؟

 

وفي هذا السياق تحديدا، تأتي تكوينات الزمن الميسر باعتبارها آلية لتنظيم العرض الجامعي وتوسيعه، وليس باعتبارها بديلا عن التكوينات العادية أو مساسا بها. ففي جل الجامعات التي تعتمد هذه الصيغة، لن يتم إلغاء التكوينات القائمة، بل ستضاف إليها تكوينات جديدة، بحيث يمكن للمسلك نفسه، سواء تعلق الأمر بالإجازة أو الماستر، أن يفتح في مسارين: مسار عادي موجه للطلبة المتفرغين، يظل مجانيا، ومسار في الزمن الميسر موجه أساسا للموظفين والأجراء، ينظم خارج الزمن الجامعي العادي، وخاصة خلال نهاية الأسبوع، وتؤدى عنه رسزك تنظيمية. والأهم أن هذه التكوينات ليست تكوينات هامشية أو شهادات مستمرة من درجة مختلفة، وإنما هي تكوينات أكاديمية أساسية تمنح شواهد جامعية أساسية وفق الضوابط والمساطر المعمول بها.

 

وبذلك، فإن الزمن الميسر لا يسحب مقعدا من طالب، ولا يضرب مجانية مكتسبة وإنما يشترط تدابير تنظيمية برسوم وليس ثمنا مقابلا للتكوين. بل يساهم في خلق مقاعد ومسارات إضافية، ويفصل بين فئتين كانتا تتنافسان في السابق على المقاعد نفسها. فالطالب غير المشتغل يصبح بإمكانه التنافس مع أقرانه المتفرغين على المقاعد المخصصة للتكوين العادي، بينما يجد الموظف أو الأجير مسارا خاصا يتلاءم مع التزاماته المهنية وظروفه. والنتيجة المنتظرة هي تخفيف الضغط عن التكوينات العادية، ورفع عدد المقاعد الدراسية، وتوسيع العرض الجامعي، وتحسين شروط الولوج، وتعزيز تكافؤ الفرص بين الطلبة. ومن السهل جدا أن نرفع شعار الرفض ونقول إن هذه التكوينات تهدد مجانية التعليم، لكن من الأصعب أن نجيب عن سؤال بسيط: ما البديل العملي للموظف أو الأجير الذي يريد استكمال دراسته دون أن يضطر إلى التخلي عن عمله؟ هل ستتمكن الإدارات والمقاولات من منحه تراخيص منتظمة للحضور خلال أيام الأسبوع؟ وهل من العدل أن يعود هذا الموظف أو الأجير إلى منافسة الطالب المتفرغ على المقعد نفسه؟ إن الزمن الميسر يقدم، على الأقل من حيث المبدأ، حلا أكثر تنظيما وواقعية لهذه الإشكالات.

 

أما الحديث عن الرسوم، فيحتاج بدوره إلى قدر كبير من الدقة والنزاهة الفكرية. فالرسوم المرتبطة بتكوينات الزمن الميسر لا ينبغي تقديمها على أنها ثمن للشهادة أو ثمن للنجاح، فالجامعة العمومية لا تبيع الشواهد، ولا يمكن للمال أن يحل محل الاستحقاق الأكاديمي أو شروط الولوج أو قواعد التقييم. نحن أمام تكوين ينظم في زمن إضافي وخارج الغلاف الزمني العادي، ويستوجب تعبئة موارد بشرية وإدارية ولوجستية إضافية: أساتذة وأطر إدارية، فضاءات وتجهيزات، تنظيم حصص وامتحانات وعمليات بيداغوجية وإدارية خلال أوقات غير عادية. ومن الطبيعي أن تكون لهذا التنظيم كلفة، كما أن من المشروع مناقشة مستوى الرسوم وكيفية تحديدها وسبل ضمان الشفافية والحكامة فيها. لكن الخلط بين وجود رسوم مرتبطة بخدمة جامعية إضافية وبين إلغاء مجانية التعليم العمومي هو خلط غير سليم. فالتكوينات الأساسية العادية الموجهة للطلبة تظل مجانية، بينما تتيح الجامعة، في إطار الزمن الميسر، عرضا إضافيا لفئات لها وضعية مهنية خاصة. بل إن تنويع موارد الجامعة لا يعني بالضرورة التخلي عن مجانية التعليم، وإنما قد يكون أحد شروط الحفاظ على قدرتها مستقبلا على الاستمرار في تقديم تكويناتها الأساسية المجانية، خصوصا في ظل تزايد أعداد الطلبة وارتفاع الطلب الاجتماعي على التعليم العالي. لذلك فإن النقاش المسؤول لا ينبغي أن يكون: هل نريد المجانية أم الزمن الميسر؟ وإنما: كيف نضمن مجانية التكوينات الأساسية، ونوسع عدد المقاعد، ونرفع جودة التكوين، ونمكن الموظف والأجير من استكمال دراسته، ونوفر للجامعة في الوقت نفسه الموارد التي تمكنها من تطوير قدراتها والاستجابة للطلب الاجتماعي المتزايد؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي يستحق النقاش.

 

وفي النهاية، فإن تكوينات الزمن الميسر تحتاج إلى تقييم موضوعي، لا إلى أحكام جاهزة أو مزايدات تستثمر في حساسية المجتمع تجاه موضوع المجانية. من حق أي طرف أن ينتقد مستوى الرسوم، أو أن يطالب بمزيد من الشفافية، أو أن يتساءل عن شروط الولوج، أو أن يناقش جودة التكوين والحكامة، لكن تحويل الموضوع برمته إلى معركة حول “مجانية التعليم” يحجب جانبا أساسيا من الحقيقة. فالدفاع عن الطالب لا يعني فقط الدفاع عن مجانية التعليم، وإنما يعني أيضا الدفاع عن حقه في مقعد جامعي، وعن حقه في تكافؤ الفرص، وعن حقه في استكمال دراسته في ظروف ملائمة. وإذا كانت هذه الصيغة ستسمح للجامعات بفتح تكوينات إضافية، ورفع عدد المقاعد، وتخفيف الضغط عن الطلبة المتفرغين، وتوفير مسارات خاصة للموظفين والأجراء، واستثمار البنيات والموارد الجامعية خارج الزمن العادي، فإنها تستحق أن تناقش على أساس نتائجها وآثارها الفعلية، لا أن ترفض لمجرد وجود رسوم. ومن السهل جدا أن أتبنى خطابا شعبويا، وأن أرفض كل جديد مسايرة للموجة، لكن إذا كان همي الحقيقي هو مصلحة الطالب والجامعة العمومية، فإن المسؤولية تقتضي أن أرى الصورة كاملة، وأن أميز بين ما ينبغي تصحيحه وما ينبغي دعمه. فالتعليم العالي ليس مجالا للمزايدات السياسية أو الشعارات الانفعالية؛ إنه قضية دولة وأمة، واستثمار في الرأسمال البشري، ورهان على مستقبل الأجيال. والجامعة العمومية لا تحتاج إلى من يرفض كل تحول باسم الدفاع عنها، بقدر ما تحتاج إلى من يدافع عن قدرتها على التطور، وعلى توسيع العرض، وعلى ضمان الجودة، وعلى الحفاظ على مجانية تكويناتها الأساسية، وعلى فتح أبوابها أمام أكبر عدد ممكن من أبناء الوطن. لذلك، قبل أن نسأل: كم ستكلفنا تكوينات الزمن الميسر؟، يجدر بنا أن نسأل أولا: كم طالبا إضافيا ستمنح هذه التكوينات فرصة للجلوس في مقعد جامعي بدل أن يبقى خارج الجامعة؟ فهنا يبدأ النقاش الحقيقي، وهنا أيضا يكون الدفاع الحقيقي عن الطالب.

 

مولاي إبراهيم سدرة

مدير المدرسة العليا للأساتذة بمكناس

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *