الجامعات المغربية خارج الثورة الرقمية وما زالت مواقعها بئيسة

الحكامة الرقمية بين النص التشريعي والممارسة الإدارية

تعيش المنظومة الجامعية المغربية مفارقة لافتة: خطاب رسمي متصاعد حول “الحكامة الشفافة” و”التحول الرقمي”، مقابل ممارسة إدارية تطرح تساؤلات جدية حول مدى الالتزام الفعلي بمبدأ النشر الاستباقي للمعلومات، كما ينص عليه القانون.

بوابة إلكترونية صامتة

يكشف تصفح الموقع الرسمي لإحدى كبريات الجامعات الوطنية بالعاصمة الاقتصادية عن غياب شبه تام للتقارير السنوية ومحاضر الاجتماعات والقرارات الصادرة عن الهياكل التدبيرية الحساسة، وفي مقدمتها مجلس التدبير واللجان الدائمة التابعة لمجلس الجامعة. غياب يصفه متتبعون للشأن الأكاديمي بـ”الصمت الرقمي”، في مؤسسة يُفترض أن تكون نموذجاً للانفتاح والمساءلة.

قرارات مالية وإدارية بلا أثر موثق

تشكل اللجان الدائمة ومجلس التدبير الجهاز العصبي لتسيير أي مؤسسة جامعية؛ فهي التي تبت في توزيع الصفقات وتدبير الميزانيات، وتحديد أولويات التوظيف والتنظيم الإداري، وتقييم تقدم البرامج البيداغوجية ومشاريع البحث العلمي.

غير أن الفجوة بين هذا الدور المحوري والحضور الرقمي شبه المنعدم لمخرجاته تغذي تساؤلات مشروعة داخل الأوساط الأكاديمية: هل يتعلق الأمر بمجرد تقصير تقني في تحديث المنصات الإلكترونية، أم بحاجة أعمق إلى منهجية أكثر إفصاحاً في تدبير المال العام والقرارات الاستراتيجية؟

المادة 10 على المحك

لا يقتصر هذا الفراغ على بُعده التنظيمي الداخلي، بل يطرح إشكالاً قانونياً مباشراً. فالقانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات ينص في مادته العاشرة على إلزام المؤسسات العمومية، بما فيها الجامعات، بالنشر الاستباقي عبر وسائطها الإلكترونية للتقارير والبرامج والبلاغات والدراسات المتوفرة لديها.

ويستبعد خبراء في القانون الإداري إمكانية التذرع بالاستثناءات الواردة في المادة 7 من القانون نفسه، والمتعلقة أساساً بالأمن والمعطيات الشخصية، لتبرير حجب التقارير المالية والإدارية الشاملة، باعتبار أن هذه الأخيرة تندرج ضمن التدبير العام لمرفق عمومي يعني مباشرة مجتمعاً أكاديمياً واسعاً من أساتذة وأطر وطلبة.

استراتيجيات معلَنة أمام اختبار الواقع

تتضاعف حدة هذه الإشكالية عند مقارنتها بمضامين وثائق “مشروع تطوير الجامعة” للفترة 2022-2026، التي خصصت محاور كاملة للحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ونصّت صراحة على اعتماد أعلى معايير الشفافية في التدبير المالي والإداري، وإتاحة المؤشرات والبيانات عبر البوابات الإلكترونية لتيسير التقييم والتتبع.

ويرى متتبعون أكاديميون أن قياس مدى تحقق هذه الأهداف الاستراتيجية يظل متعذراً في ظل غياب التقييمات المنشورة والتقارير السنوية المتاحة للعموم.

مرحلة انتقالية تعيد السؤال إلى الواجهة

تتزامن هذه النقاشات مع دخول المؤسسة مرحلة انتقال إداري وتسيير بالنيابة، في انتظار حسم مسطرة التعيين الرئاسي. وقد جاء مشروع المرسوم رقم 2.26.327، المنظم لمسطرة التعيين والترشيح لرئاسة الجامعات، ليفتح نقاشاً إضافياً؛ إذ تتيح مادته التاسعة إمكانية “التجديد التلقائي” بطلب من السلطة الحكومية الوصية.

ومن منظور الحكامة السليمة، فإن خيار التجديد التلقائي، أو في المقابل فتح باب التنافسية، ينبغي أن يستند أساساً إلى تقييم موضوعي ومفتوح لنتائج الولاية الأولى. وهو ما يجعل من نشر تقارير الحصيلة المالية والأكاديمية شرطاً ضرورياً لضمان تكافؤ الفرص، والتحقق من نجاعة الأداء، وترسيخ مبدأ الشفافية الذي تتغنى به الإصلاحات الجامعية المتعاقبة.

مطالب بتدارك الفراغ الرقمي

في ظل هذا المشهد، تتصاعد داخل الحرم الجامعي دعوات إلى:

1. تفعيل النشر الاستباقي لمخرجات وتقارير مجلس التدبير واللجان الدائمة، عبر فضاءات مخصصة في الموقع الرسمي للمؤسسة.
2. إتاحة تقارير الحصيلة الدورية أمام العموم، بما يخدم البحث العلمي والتقييم المؤسساتي.
3. تفعيل دور المكلفين بالرد على طلبات الحصول على المعلومات، تفعيلاً كاملاً وفق الضوابط القانونية المنظمة لهذا الحق.

يبقى السؤال مطروحاً: هل ستشكل هذه المرحلة الانتقالية فرصة لإرساء ثقافة حقيقية في النشر الاستباقي والمساءلة، أم أن “الصمت الرقمي” سيظل السمة الغالبة على تدبير الشأن الجامعي؟

 

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *