عندما أطلق الحكم صافرة النهاية، لم يكن المشهد داخل الملعب مجرد احتفال بلقب دوري، بل كان انفجاراً لذاكرة مدينة كاملة. في لحظات قليلة، تحولت المدرجات إلى بحر من اللونين الأصفر والأسود، وتعانق غرباء كما لو أنهم أفراد عائلة واحدة، بينما ذرفت عيون كثيرة دموعاً لم تكن دموع انتصار فقط، بل دموع انتظار طويل انتهى أخيراً.
بعد واحد وأربعين عاماً من الغياب، عاد المغرب الفاسي بطلاً للمغرب.
ذلك الفريق الذي ظل اسمه مرتبطاً بتاريخ الكرة الوطنية أكثر من ارتباطه بمنصات التتويج خلال العقود الأخيرة، نجح أخيراً في استعادة مكانه الطبيعي، وأعاد إلى العاصمة العلمية فرحة افتقدتها أجيال كاملة من جماهيره.
لم يكن الطريق سهلاً، ولم يكن الحسم مضموناً. دخل “الماص” الجولة الأخيرة وهو يعرف أن خطأً واحداً قد يمحو تعب موسم بأكمله. المنافسة مع نهضة بركان والجيش الملكي بقيت مفتوحة حتى الأمتار الأخيرة، بعدما تقلص الفارق إلى نقطتين فقط، لتصبح كل دقيقة من المباراة وكأنها بطولة مستقلة.
في المدرجات، كان الصمت يسبق كل هجمة، قبل أن ينفجر المكان فرحاً عندما افتتح أنس الطاهري التسجيل مع بداية الشوط الثاني. لم يكن الهدف مجرد كرة استقرت في الشباك، بل كان بداية انهيار جدار الانتظار الذي ظل قائماً منذ سنة 1985.
ثم جاء الهدف الثاني، الذي وقّعه أيمن الشباني، ليبدد آخر الشكوك، ويعلن أن الدرع سيبقى في فاس.
مع صافرة النهاية، لم يعد أحد يفكر في النتيجة بقدر ما كان الجميع يعيش لحظة تاريخية. لاعبون ارتموا على أرضية الملعب، وآخرون اتجهوا مباشرة نحو الجماهير، بينما علت الهتافات التي حفظتها المدينة عن ظهر قلب، لكنها لم تجد فرصة لترديدها بهذه القوة منذ سنوات طويلة.
في الخارج، كانت فاس تكتب احتفالها بطريقتها الخاصة. الشوارع امتلأت بالمشجعين، والسيارات جابت الأزقة وهي ترفع أعلام النادي، والأحياء التي عاشت زمناً على ذكريات الماضي استعادت فجأة شبابها. كان واضحاً أن المدينة لم تحتفل بفريق كرة قدم فقط، بل استعادت جزءاً من هويتها.
هذا اللقب لا يُقاس بعدد النقاط ولا بعدد الأهداف. إنه تتويج لجيل كامل من الأنصار الذين ظلوا يؤمنون بأن التاريخ لا يموت، وأن الأندية العريقة قد تتعثر، لكنها لا تفقد قدرتها على العودة.
ولعل أكثر ما يمنح لهذا الإنجاز قيمته أنه جاء في موسم كان من بين الأكثر تنافساً في السنوات الأخيرة. لم يكن هناك فريق يحتكر المشهد، بل ظلت المنافسة مفتوحة حتى الجولة الأخيرة، وهو ما منح اللقب طعماً خاصاً، لأن المغرب الفاسي انتزعه في سباق صعب أمام منافسين امتلكوا الطموح والإمكانات نفسها.
ويعيد هذا الإنجاز إلى الأذهان سنوات المجد التي عاشها النادي، خصوصاً موسم 2011 عندما توج بكأس العرش، ثم رفع كأس الكونفدرالية الإفريقية، قبل أن يضيف كأس السوبر الإفريقي، في واحدة من أجمل صفحات الكرة المغربية قارياً. واليوم، يضيف “الماص” صفحة جديدة إلى ذلك التاريخ، لكنها تختلف في رمزيتها؛ لأنها جاءت بعد سنوات من الصبر، وأعادت الثقة إلى نادٍ ظل يبحث عن نفسه بين أمجاد الماضي وتحديات الحاضر.
كرة القدم كثيراً ما تمنح البطولات، لكنها في بعض الليالي تمنح المدن فرصة لاستعادة ذاكرتها. وهذا ما حدث في فاس. فبعد 41 عاماً، عاد المغرب الفاسي إلى مكانه بين الكبار، مؤكداً أن التاريخ قد يتأخر، لكنه لا يخذل من يواصل الإيمان به والعمل من أجله.
لم يكن هذا اللقب نهاية موسم فحسب، بل كان بداية مرحلة جديدة لنادٍ عريق، ورسالة إلى الكرة المغربية بأن المشاريع التي تُبنى بالصبر والاستقرار يمكنها، مهما طال الزمن، أن تعود إلى القمة.