في عمق الغابات الممتدة على التلال المتاخمة لمدينة سبتة المحتلة، حيث التضاريس الجبلية الوعرة والمنافذ الخفية، كان المشهد يختزل تفاصيل ليلة حبلى بالترقب. تحت غطاء الأشجار، انتشرت مجموعات متفرقة تضم أعداداً كبيرة من المرشحين للهجرة غير النظامية، غالبية أفرادها من دول أفريقيا جنوب الصحراء، ممن اتخذوا من هذه الأحراش والمسالك الصعبة ملاذاً مؤقتاً ونقطة ارتكاز، يتجمعون في حركات مناورة متواصلة وينتظرون أدنى ثغرة تتيح لهم تدفقاً جماعياً خاطفاً نحو معبر “باب سبتة”.
إلا أن هذه التحركات داخل الغابات واجهت جداراً أمنياً صلباً؛ حيث ضربت السلطات المغربية طوقاً محكماً يلف المنطقة بكاملها. وعايشت “بلبريس” من عين المكان إنزالاً ميدانياً واستنفاراً غير مسبوق، رسمت معالمه عشرات المركبات التابعة للقوات المساعدة والأمن الوطني والدرك الملكي، إلى جانب انتشار مكثف للرجال المرابطين بالزيين الرسمي والمدني على قمم المرتفعات وأطراف الغابات، لقطع أي محاولة للتسلل نحو الطرق الرئيسية المباشرة.
ولم تقتصر خطة التصدي للعبور على الميدان البري وحدها، بل امتدت لتشمل مراقبة جوية دقيقة عبر طائرات مسيرة (درون) مسحت الأحراش والمواقع العميقة في الجبال لتحديد نقاط التجمع وإفشال المناورات الاستباقية، بالتزامن مع دوريات بحرية شطبت الشريط الساحلي القريب لمراقبة المياه الإقليمية وتأمين الواجهة البحرية بشكل كامل.
ويأتي هذا الحزم الميداني ليقطع الطريق أمام حملات التحريض الرقمية التي شهدتها منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، والتي حثت الراغبين في الهجرة على التوجه بكثافة نحو المنطقة الحدودية اليوم السبت 15 غشت 2026. وهو ما تصدت له وزارة الداخلية عبر إستراتيجية استباقية صارمة؛ إذ أعلن الناطق الرسمي باسم الوزارة، رشيد الخلفي، تشديد منظومة اليقظة الدائمة بالمناطق الحدودية لردع أي محاولة للعبور غير القانوني، مشيراً إلى توقيف عدد من المتورطين في ترويج تلك الدعوات التحريضية وإحالتهم على المساطر القضائية.
وبين مناورات العبور تحت ظلال الأشجار واليقظة الميدانية العالية الصارمة على الأرض، أثبتت السلطات المغربية نجاحها في خنق محاولة الاقتحام الجماعي في مهدها، مؤكدة التزامها الميداني بحماية النظام العام، ومواصلة التصدّي لشبكات الاتجار بالبشر بكل حزم ومسؤولية.