لم تدم فرحة الوصول إلى مدينة سبتة المحتلة طويلاً بالنسبة إلى مئات المهاجرين الذين خاطروا بحياتهم خلال الأيام الأخيرة، بعدما اختاروا خوض البحر سباحة في محاولة لبلوغ الضفة الأخرى.
فبعد ساعات أو أيام من الوصول، وجد كثير منهم أنفسهم أمام واقع مختلف، عنوانه العودة إلى نقطة البداية، إثر اتفاق مغربي إسباني يقضي بإعادة جميع المهاجرين الذين دخلوا المدينة بطريقة غير قانونية.
وتوصلت سلطات الرباط ومدريد إلى اتفاق يقضي بإعادة جميع المهاجرين الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة سباحة، في إطار تنسيق مشترك بين السلطات المختصة بالبلدين، وذلك عقب التدفقات غير المسبوقة التي عرفتها المدينة خلال الأيام الأخيرة.
وتحولت السواحل الفاصلة بين المغرب وسبتة إلى مسرح لمشاهد مؤثرة، بعدما خاطر عشرات الشبان، وبعض القاصرين، بحياتهم في عرض البحر، متحدين الأمواج والتيارات البحرية القوية أملاً في الوصول إلى ما يعتبرونه بوابة نحو مستقبل أفضل. إلا أن هذه الرحلة لم تكن سهلة، إذ حملت في طياتها مخاطر الغرق والإصابة والإنهاك، فيما انتهت بالنسبة إلى عدد كبير منهم بالعودة إلى المغرب.
ورغم أن العودة قد تبدو للبعض نهاية مؤلمة لحلم طال انتظاره، فإنها كانت بالنسبة إلى آخرين فرصة للنجاة بعد تجربة قاسية تركت آثارها النفسية والجسدية.
فبين من استقبل قرار الإرجاع بارتياح بعد أن أدرك حجم المخاطر التي واجهها، ومن ظل متمسكاً بحلمه الأوروبي رافضاً إنهاء المحاولة، تباينت مشاعر المهاجرين واختلفت قصصهم، بينما بقي القاسم المشترك بينهم هو رحلة محفوفة بالمخاطر.
وكانت السلطات الإسبانية قد أعلنت، الخميس، أن مئات المهاجرين تمكنوا من دخول مدينة سبتة المحتلة بحراً خلال الأيام الماضية، فيما أظهرت مشاهد بثها التلفزيون الإسباني مهاجرين يسبحون بمحاذاة الحدود قبل دخول المدينة.
ووصف رئيس الحكومة المحلية بمدينة سبتة المحتلة، خوان خيسوس فيفاس، الوضع بأنه “حالة طوارئ إنسانية واجتماعية كاملة”، في ظل الضغط الذي شهدته المدينة جراء تزايد أعداد الوافدين.
وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن مدريد والرباط اتفقتا على تعزيز التنسيق وتكثيف الجهود لمواجهة تدفقات الهجرة غير النظامية نحو سبتة، مع الالتزام بتفعيل الإجراءات الكفيلة بإعادة جميع الأشخاص الذين دخلوا المدينة بطريقة غير قانونية في أقرب وقت ممكن.
وأكدت الوزارة أن التعاون بين المغرب وإسبانيا في مجال تدبير الهجرة يتسم بـ”المثالية”، مشيرة إلى أن التنسيق بين البلدين يشمل التعامل مع التدفقات الأخيرة للمهاجرين غير النظاميين. كما اعتبرت أن شبكات تهريب الأشخاص تستغل بعض المعطيات القانونية لتشجيع محاولات العبور، لافتة إلى أن أغلبية المشاركين في هذه التدفقات من فئة الشباب.
من جانبه، أعرب وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا عن شكره للسلطات المغربية، مؤكداً أن تدخلات قوات الأمن المغربية خلال الأيام الماضية أسهمت في إحباط آلاف محاولات الهجرة غير النظامية.
وفي سياق متصل، 57 مهاجراً مغربياً، لقوا مصرعهم غرقاً خلال محاولاتهم الوصول إلى سبتة، في حصيلة تعكس حجم المخاطر التي تحيط بمثل هذه الرحلات غير النظامية، وتعيد إلى الواجهة كلفة “الحلم الأوروبي” الذي يدفع ثمنه شباب في مقتبل العمر.
ويأتي هذا الاتفاق في ظل تسجيل تدفقات متزايدة نحو المدينة المحتلة خلال الأيام الأخيرة، وهو ما دفع السلطات الإسبانية إلى تكثيف تحركاتها وتعزيز التنسيق مع الجانب المغربي لاحتواء الوضع، في وقت تتواصل فيه الدعوات إلى معالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية، بما يضمن حماية الأرواح والحد من المخاطر التي تدفع شباباً إلى المجازفة بحياتهم في البحر أملاً في مستقبل أفضل.