طوابير الماء تهزم شعارات “القوة الضاربة” في الجزائر

لم تعد أزمة الماء في الجزائر مجرد خلل تقني عابر أو انقطاع محدود يمكن تبريره بعطل في محطة للتحلية، بل تحولت إلى أزمة يومية تكشف عمق الاختلال في تدبير واحد من أبسط الحقوق الأساسية للمواطن. ففي عز موجة الحر التي تضرب البلاد، يجد سكان أكثر من 11 ولاية أنفسهم أمام صنابير جافة وطوابير طويلة بحثا عن الماء، بينما تواصل السلطات تقديم روايات رسمية تبدو منفصلة عن حجم المعاناة في الميدان.

وأعلنت شركة المياه والتطهير «سيال» عن اضطرابات حادة في توزيع المياه بعد توقف جزئي لمحطة تحلية مياه البحر بالحامة، موضحة أن العودة إلى الوضع الطبيعي مرتبطة بانتهاء أشغال الإصلاح وإعادة ملء الخزانات الكبرى. غير أن غياب موعد واضح لانتهاء الأزمة زاد من غضب السكان، خصوصا في العاصمة وعدد من البلديات التي باتت تعيش على إيقاع توزيع متقطع وغير منتظم.

وتكشف صور ومقاطع متداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي حجم المأساة، حيث يضطر مواطنون في أحياء مثل بولوغين ووادي السمار وبابا علي إلى السهر حتى ساعات متأخرة من الليل وانتظار عودة المياه لملء البراميل والأواني، فيما تصطف الأسر أمام شاحنات توزيع الماء في مشاهد يصعب معها تصديق الخطاب الرسمي عن «الأمن المائي».

الأزمة لم تتوقف عند حدود الانقطاع، بل دفعت إلى بروز سوق موازية للصهاريج، وسط حديث عن أسعار مرتفعة تثقل كاهل الأسر، بينما يواجه سكان الطوابق العليا في العمارات القديمة ظروفا أشد قسوة بسبب ضعف الصبيب حتى خلال الفترات المحدودة التي تعود فيها المياه.

وفي وقت تتفاقم فيه معاناة المواطنين، حاول وزير الري لوناس بوزقزة تقديم صورة أكثر وردية، متحدثا عن وجود «أمان واستقرار مائي» في البلاد، ومحملا جزءا من المسؤولية للشبكات القديمة والتسربات التي تصل، وفق تصريحاته، إلى نحو 40 في المائة.

لكن هذه التبريرات تطرح سؤالا أكثر إحراجا: إذا كانت السلطات تعرف منذ سنوات حجم اهتراء الشبكات ونسب التسرب، فلماذا لم تنجح في معالجة المشكلة قبل أن تصل إلى هذا المستوى؟ وكيف يمكن الحديث عن «أمن مائي» فيما المواطنون يطاردون شاحنات الماء ويترقبون عودة قطرات الماء إلى صنابير منازلهم؟

وتزداد حدة الانتقادات عند استحضار الوعود التي رافقت سياسة تحلية مياه البحر، خصوصا تعهدات الرئيس عبد المجيد تبون بإحداث محطات كبرى للتحلية وإنهاء مشكلة ندرة المياه. كما أعاد تصريح سابق لتبون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن إنتاج كميات ضخمة من المياه المحلاة إلى الواجهة، بعدما أثار الرقم المعلن آنذاك انتقادات واسعة بسبب عدم واقعيته مقارنة بحجم الإنتاج العالمي.

وبين الوعود الرسمية والواقع الذي يعيشه الجزائريون، تبدو الهوة أكبر من أن تغطيها البيانات الحكومية. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بمحطة واحدة تعطلت أو شبكة قديمة تتسرب منها المياه، وإنما تكشف، في نظر منتقدين، عن ضعف في التخطيط والصيانة والحكامة، وعن عجز واضح في تحويل الخطابات السياسية إلى حلول مستدامة.

وهكذا، يجد المواطن الجزائري نفسه أمام مفارقة صارخة: بلد يرفع شعارات القوة والإنجازات الكبرى، لكنه يعجز في عدد من مناطقه عن ضمان وصول الماء إلى المنازل بشكل منتظم. ومع استمرار الطوابير وجفاف الصنابير، تتحول أزمة العطش إلى اختبار حقيقي لمصداقية النظام وقدرته على تدبير الملفات الحيوية بعيدا عن الخطابات الدعائية والوعود المؤجلة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *