في سلا المدينة، لا تبدو انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد محطة جديدة للتنافس على أربعة مقاعد برلمانية، بل اختبارا حقيقيا لخريطة سياسية تبدلت ملامحها خلال خمس سنوات فقط. فالدائرة التي كانت إلى وقت قريب من أبرز معاقل العدالة والتنمية، وانطلقت منها عودة عبد الإله بنكيران إلى الواجهة الانتخابية سنة 2016، انتهت في انتخابات 2021 إلى توزيع مقاعدها الأربعة على أربعة أحزاب مختلفة، بينما خرج “المصباح” من السباق بلا مقعد.
اليوم، تعود الدائرة إلى واجهة المنافسة بوجوه جديدة وتحالفات وانتماءات متحركة، فيما يحاول بعض الفائزين السابقين الحفاظ على مواقعهم، ويدخل آخرون السباق بألوان حزبية مختلفة. ومع استمرار عملية إيداع الترشيحات للانتخابات التشريعية، التي انطلقت رسميا في 31 غشت وتنتهي في 9 شتنبر، تبدو سلا المدينة مفتوحة على إعادة ترتيب جديدة للمشهد.
ولفهم ما ينتظر الدائرة في 2026، يكفي استحضار حجم الانقلاب الذي عرفته خلال الانتخابات السابقة. ففي 2016، تصدر العدالة والتنمية النتائج بفارق كبير، بعدما حصل على 36,404 أصوات وانتزع مقعدين من أصل أربعة. وجاء الأصالة والمعاصرة ثانيا بـ11,592 صوتا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ8,674 صوتا، ليحصل كل منهما على مقعد.
وكانت تلك الانتخابات مرتبطة بشكل وثيق باسم عبد الإله بنكيران، الذي قاد لائحة العدالة والتنمية في سلا المدينة، قبل أن يغادر مجلس النواب عقب تكليفه بتشكيل الحكومة بسبب حالة التنافي. لكن ما حدث بعد ذلك أظهر أن القوة الانتخابية للحزب لم تكن محصنة أمام التحولات السياسية والتنظيمية التي عرفها المشهد المغربي.
ففي انتخابات 2021، انهار حضور العدالة والتنمية بشكل لافت، وانتهت الدائرة التي كان يهيمن عليها إلى خريطة رباعية الأقطاب. وتصدر التجمع الوطني للأحرار النتائج، متبوعا بالأصالة والمعاصرة، ثم التقدم والاشتراكية والحركة الشعبية، وهي الأحزاب التي حصدت المقاعد الأربعة. أما العدالة والتنمية فلم يحصل على أي مقعد. وتؤكد النتائج المنشورة أن الحزب حصل على 4,354 صوتا فقط، مقابل أكثر من 36 ألف صوت في 2016.
وكانت المقاعد الأربعة قد آلت إلى نور الدين الأزرق عن التجمع الوطني للأحرار، ورشيد العبدي عن الأصالة والمعاصرة، ومحمد عواد عن التقدم والاشتراكية، وإدريس السنتيسي عن الحركة الشعبية.
هذا التحول لا يمكن اختزاله في مجرد انتقال الأصوات بين الأحزاب. فالدائرة عرفت أيضا تراجعا في المشاركة، ما جعل المنافسة أكثر ارتباطا بقدرة كل حزب على تعبئة قواعده المحلية والحفاظ على ناخبيه. وبالتالي، فإن نتائج 2021 لا تمنح بالضرورة صورة جاهزة عما سيحدث في 2026، لكنها تكشف أن الهيمنة الانتخابية التي عرفتها سلا المدينة في 2016 يمكن أن تنهار خلال دورة واحدة.
ومن هذه الزاوية، يدخل التجمع الوطني للأحرار استحقاق 2026 من موقع مختلف عن بقية المنافسين، باعتباره الحزب الذي تصدر انتخابات 2021. غير أن الدفاع عن الصدارة لن يكون مهمة سهلة، خصوصا أن الحزب لا يعيد تقديم المرشح نفسه؛ إذ يخوض عمر الأزرق السباق، بعدما كان والده نور الدين الأزرق قد فاز بالمقعد باسم الحزب سنة 2021. كما أن عمر الأزرق هو النائب البرلماني الحالي عن الدائرة نفسها.
وسيكون الرهان بالنسبة إلى الأحرار هو معرفة ما إذا كان الحزب قد نجح في تحويل فوزه في 2021 إلى قاعدة انتخابية مستقرة، أم أن تصدره السابق كان مرتبطا بظرف سياسي خاص لن يتكرر بالضرورة في 2026.
أما الأصالة والمعاصرة، فيدخل المنافسة عبر عماد الريفي، الذي ارتبط اسمه بالتدبير المحلي في سلا، في محاولة للحفاظ على المقعد الذي فاز به الحزب في 2021. ويأتي ذلك بعد انتقال رشيد العبدي، الذي حمل المقعد في الاستحقاق السابق، إلى رئاسة جهة الرباط ـ سلا ـ القنيطرة.
وهنا أيضا يبرز عامل الأشخاص إلى جانب العامل الحزبي. فالمنافسة في الدوائر المحلية لا تحسم دائما باسم الحزب وحده، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمرشحين راكموا حضورا انتخابيا أو محليا خلال سنوات.
ومن أبرز التحولات التي ستطبع سباق 2026 انتقال إدريس السنتيسي من الحركة الشعبية إلى حزب الاستقلال. فالسنتيسي كان أحد الفائزين الأربعة في سلا المدينة سنة 2021 بألوان الحركة الشعبية، قبل أن يغادر “السنبلة” ويلتحق بالاستقلال، الذي منحه تزكيته لخوض الانتخابات في الدائرة نفسها. وقد أكدت مصادر إعلامية أن تزكيته من طرف الاستقلال جاءت بعد استقالته من الحركة الشعبية، التي ارتبط بها سياسيا لسنوات طويلة.
وبذلك، تتحول معركة السنتيسي إلى اختبار انتخابي مزدوج: هل يستطيع الحفاظ على حضوره الشخصي بعد تغيير اللون الحزبي؟ وهل سيتمكن حزب الاستقلال من تحويل رصيده إلى مقعد في دائرة لم يفز فيها بمقعد خلال انتخابات 2021؟
وفي الجهة المقابلة، تراهن الحركة الشعبية على صلاح الدين بلحسن لتعويض السنتيسي، ما يعني أن الحزب يدخل السباق من جديد بمرشح مختلف، في دائرة سبق أن منحته مقعدا في الاستحقاق الماضي.
أما العدالة والتنمية، فيخوض انتخابات 2026 من موقع لم يكن أحد يتوقعه بعد انتخابات 2016. فالحزب الذي حصل آنذاك على مقعدين وأكثر من 36 ألف صوت، لم يعد مطالبا بالدفاع عن مقعد قائم، وإنما بمحاولة استعادة موقع فقده بالكامل.
وقد اختار الحزب كمال الكوشي، الكاتب الإقليمي للحزب بسلا، لقيادة لائحته المحلية، في وقت حسم فيه عدم إعادة ترشيح عبد الإله بنكيران في الدائرة التي ارتبط اسمه بها انتخابيا لسنوات. وتبدو مهمة “المصباح” هذه المرة أكثر تعقيدا؛ فالذاكرة الانتخابية لبنكيران قد تساعد الحزب على استعادة جزء من جمهوره السابق، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة إنتاج نتيجة 2016. وبين الاستحقاقين تغيرت الخريطة الحزبية، وتبدلت موازين القوى المحلية، كما أصبح عدد من الناخبين أكثر ارتباطا بأسماء ووجوه جديدة.
في المقابل، يسعى التقدم والاشتراكية إلى الدفاع عن المقعد الذي انتزعه في 2021 عبر محمد عواد، بينما يدخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المنافسة بعبد الكريم الحسيني، وفق المعطيات المعلنة بشأن الترشيحات. كما يخوض تحالف اليسار المنافسة عبر إدريس حماد.
وهكذا تتعدد مداخل المنافسة في الدائرة: الأحرار يريد تثبيت صدارته، والأصالة والمعاصرة يسعى إلى الحفاظ على مقعده، والاستقلال يراهن على اسم سبق أن فاز في الدائرة نفسها بألوان حزب آخر، والحركة الشعبية تحاول تعويض خسارة أحد أبرز وجوهها، بينما يبحث العدالة والتنمية عن طريق للعودة إلى البرلمان من بوابة سلا.
لكن العامل الأكثر أهمية قد لا يكون أسماء المرشحين وحدها، وإنما حجم المشاركة الانتخابية. فقد أظهرت تجربة 2021 أن انخفاض المشاركة يمكن أن يعيد ترتيب موازين القوى، لأن الأحزاب التي تملك قواعد انتخابية منظمة تستطيع الاستفادة من أي ارتفاع أو انخفاض في نسبة الإقبال.
ولهذا، فإن استحقاق 2026 لن يكون مجرد إعادة مواجهة بين نتائج 2016 و2021. فالدائرة تغيرت، والأحزاب تغيرت، والمرشحون تغيروا، وبعض الأسماء انتقلت من حزب إلى آخر، فيما يحاول آخرون تحويل حضورهم المحلي إلى أصوات انتخابية.
كما أن انتقال السنتيسي إلى الاستقلال، وظهور عمر الأزرق مكان والده، وتغيير وكيل لائحة الحركة الشعبية، وعودة العدالة والتنمية بمرشح جديد، كلها عناصر تجعل إسقاط نتائج 2021 على انتخابات 2026 أمرا محفوفا بالمخاطر.
وفي النهاية، تظل سلا المدينة واحدة من الدوائر التي يصعب فيها إعلان فائز مسبقا. أربعة مقاعد فقط تقف في قلب سباق تتنافس فيه أسماء حزبية لها امتدادات محلية وتجارب سابقة، فيما تكشف نتائج السنوات الماضية أن ترتيب القوى يمكن أن ينقلب بسرعة.
ففي 2016، كان العدالة والتنمية القوة الأولى وحصل على مقعدين. وبعد خمس سنوات فقط، اختفى الحزب من قائمة الفائزين، وتوزعت المقاعد الأربعة على أربعة أحزاب. واليوم، يعود الجميع تقريبا إلى نقطة اختبار جديدة.
لذلك قد يكون السؤال الأهم في انتخابات 2026 ليس فقط: من سيحصل على المقاعد الأربعة؟ بل هل ستنجح القوى التي صنعت خريطة 2021 في تثبيت مواقعها، أم أن سلا المدينة ستقدم مرة أخرى مفاجأة انتخابية تعيد رسم المشهد من جديد؟