مروان شباعتو.. الذي غيّر جلد حزبه من الأحرار نحو البام في آخر لحظة

اختار مروان شباعتو، النائب البرلماني عن إقليم ميدلت، أن يطوي صفحة انتمائه إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، ويفتح أخرى داخل حزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة تأتي في توقيت سياسي بالغ الحساسية، وعلى بعد أشهر من الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. قرار حاول صاحبه أن يقدمه باعتباره نتيجة طبيعية لـ«تراكمات ومواقف» استمرت لسنوات، غير أن توقيته يفتح، في المقابل، بابا واسعا للتساؤلات حول خلفياته الحقيقية وحول ما إذا كان الأمر يتعلق فعلا بقناعة سياسية جديدة، أم بإعادة ترتيب للموقع استعدادا لمرحلة انتخابية مختلفة.

شباعتو يقول إن مغادرته للأحرار لم تكن نتيجة خلاف شخصي أو لحظة غضب، وإنما جاءت بعد مواقف متراكمة جعلته يشعر بأن إقليم ميدلت لا يحظى، من وجهة نظره، بما يستحقه من اهتمام داخل الحزب. وهي رواية تعكس موقف صاحبها وتشرح دوافعه كما يراها، لكنها لا تلغي السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا كانت هذه التراكمات قد استمرت طوال سنوات، فلماذا اختار الرجل هذه اللحظة بالذات لإنهاء ارتباطه بالحزب الذي خاض باسمه تجربته الانتخابية ووصل من خلاله إلى البرلمان؟

السؤال يصبح أكثر إلحاحا لأن شباعتو لا يغادر السياسة ولا يعلن اعتزال العمل الحزبي، بل ينتقل مباشرة إلى حزب آخر. أي أنه لا يحتج على الممارسة السياسية من خارجها، وإنما يغيّر الإطار الذي اختار أن يمارسها من داخله. وهذا النوع من الانتقالات، مهما كانت المبررات المقدمة بشأنه، يظل بحاجة إلى تفسير مقنع للرأي العام، لأن الناخب لا ينظر دائما إلى الانتماء الحزبي باعتباره مجرد عنوان قابل للتغيير متى أصبحت العلاقة مع القيادة غير مريحة.

في بيانه، حرص شباعتو على القول إنه ظل طوال سنوات انتمائه إلى التجمع الوطني للأحرار حريصا على معالجة الاختلافات داخليا وتغليب مصلحة التنظيم، رغم ما وصفها بأسباب متعددة للعتاب. غير أن هذا التبرير يطرح بدوره مفارقة واضحة؛ فكلما طالت فترة الصمت والصبر التي يتحدث عنها، أصبح الانتقال المفاجئ أكثر حاجة إلى تفسير، خصوصا عندما يحدث في مرحلة تستعد فيها الأحزاب لإعادة ترتيب صفوفها وخرائطها الانتخابية.

ومن بين الوقائع التي استند إليها شباعتو في تفسير قراره، اللقاء الحزبي الأخير بميدلت، الذي كان يرى أنه يستحق حضورا سياسيا وحكوميا أكبر. وأشار إلى أنه قدر حضور رئيس الحزب، لكنه سجل في المقابل غياب الحضور الحكومي، في وقت انتقل فيه عدد من الوزراء والقيادات إلى إقليم آخر وقضوا فيه، وفق روايته، وقتا أطول. وقد يكون هذا الأمر بالفعل مصدر استياء بالنسبة إلى منتخب محلي يريد أن يظهر أمام ساكنة إقليمه أن الحزب الذي ينتمي إليه يولي المنطقة ما تستحقه من اهتمام، لكن تحويل مثل هذا المعطى إلى حلقة في مسار ينتهي بتغيير الحزب يجعل الواقعة أكبر من مجرد تفصيل تنظيمي.

غير أن شباعتو لا يتوقف عند هذا الحد، إذ يعتبر أن ملف الصناعة التقليدية كان بمثابة «القطرة التي أفاضت الكأس». ويقول إنه التقى عددا من المهنيين والفاعلين في القطاع، واستمع إلى مشاكلهم، ثم التزم بمحاولة ترتيب لقاء لهم مع كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، قبل أن تستمر محاولاته للتواصل لأكثر من شهر، بحسب روايته، دون أن يتلقى جوابا. وهو ما وضعه، كما يقول، في موقف حرج أمام مهنيين كانوا ينتظرون منه الوفاء بالتزامه.

لا شك أن المنتخب الذي يعد المواطنين بالترافع عن ملفاتهم يجد نفسه في موقف محرج عندما يعجز عن ترتيب لقاء أو إيصال مطلب إلى مسؤول حكومي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما إذا كانت مثل هذه الواقعة، مهما كانت مزعجة، قادرة وحدها على إسقاط سنوات من الانتماء السياسي، أم أنها كانت فقط آخر حلقة في سلسلة من الخلافات التي ظلت تتراكم في صمت إلى أن أصبح الرحيل، في نظر شباعتو، الخيار الأنسب.

الرجل يؤكد أن الأمر لا يتعلق بمصلحة شخصية، وأنه تحرك بصفته نائبا برلمانيا يحمل ملفات مواطنين وقطاعا له وزنه داخل الإقليم. وهذا حقه وواجبه، لكن المسؤولية السياسية لا تتوقف عند تقديم المبررات، بل تبدأ أيضا من القدرة على تقديم حصيلة واضحة أمام المواطنين: ما الذي تم تحقيقه؟ وما الذي تعذر تحقيقه؟ وأين انتهت مسؤولية المنتخب وأين بدأت مسؤولية الحزب والحكومة؟ فإلقاء كامل المسؤولية على ضعف التواصل الحزبي لا يقدم دائما الصورة الكاملة عن أداء أي منتخب.

كما أن قول شباعتو إنه لا يطلب امتيازا ولا يريد أن تفتح له الأبواب لمجرد كونه برلمانيا لا ينهي النقاش، بل ربما يوسعه. فالمنتخب الذي يطلب ثقة المواطنين عليه أن يقبل، في المقابل، بأن يخضع للمساءلة، وأن يشرح لهم ليس فقط أسباب خلافه مع حزبه، وإنما أيضا لماذا ظل داخله طوال هذه السنوات، ولماذا أصبح الانتقال إلى حزب آخر هو الحل الذي اختاره في هذه المرحلة تحديدا.

شباعتو حرص، في المقابل، على مغادرة التجمع الوطني للأحرار دون خصومة معلنة مع قياداته، مؤكدا احترامه لرئيس الحزب ولعدد من مناضليه. وهي محاولة واضحة لتخفيف حدة الخروج والحفاظ على جسور التواصل، غير أن مغادرة حزب بعد سنوات من الانتماء ليست فعلا محايدا، حتى عندما تتم بلغة هادئة. فالرحيل في حد ذاته رسالة سياسية، والانتقال إلى حزب منافس يفرض بالضرورة قراءة سياسية تتجاوز حدود الخلافات الشخصية.

الأكثر إثارة في هذه القصة أن الوجهة الجديدة هي حزب الأصالة والمعاصرة، ما يجعل المسألة تبدو، في نظر المتابعين، أقرب إلى إعادة تموقع سياسي منها إلى انسحاب احتجاجي. فالرجل لم يقرر البقاء مستقلا، ولم يبتعد عن الحياة الحزبية، بل اختار موقعا جديدا لمواصلة المسار نفسه. ولذلك فإن السؤال لن يكون فقط عن سبب مغادرته للأحرار، بل أيضا عن الشيء الذي وجده في البام ولم يجده في الحزب السابق.

إذا كانت المشكلة هي ضعف الترافع عن ميدلت، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة شباعتو داخل حزبه الجديد على تحويل هذا الترافع إلى نتائج ملموسة. وإذا كانت المشكلة هي ضعف التواصل مع المسؤولين، فإن المطلوب الآن أن يظهر أن أبواب الحزب الجديد ستكون أكثر انفتاحا أمام الملفات التي يقول إنه يحملها. أما إذا بقيت المشاكل نفسها والملفات نفسها والعوائق نفسها، فإن الانتقال سيبدو، في نهاية المطاف، مجرد تغيير للعنوان السياسي دون تغيير جوهري في واقع الإقليم.

وهنا تحديدا ستكون ميدلت هي الحكم الحقيقي. فالإقليم ليس ملكا لحزب، ولا ينبغي أن يتحول إلى ورقة في صراع التموقعات الانتخابية. ساكنة ميدلت لا يهمها كثيرا إن كان البرلماني يرتدي هذا اللون الحزبي أو ذاك بقدر ما يهمها أن ترى نتائج حقيقية على الأرض، وأن تجد من يترافع عن قضاياها بفعالية، وأن تتحول الوعود والبيانات إلى إجراءات ومشاريع ومكتسبات.

ومن هذه الزاوية، فإن انتقال شباعتو يضعه أمام مسؤولية أكبر مما كانت عليه قبل مغادرته. فقد قال بوضوح إن خدمة الإقليم والدفاع عن مصالح مواطنيه هما جوهر قراره. وبالتالي، فإن أي حصيلة ضعيفة مستقبلا ستعيد فتح السؤال نفسه، وربما بصورة أكثر إزعاجا: هل كان تغيير الحزب ضرورة سياسية فعلا، أم أن الأمر لم يتجاوز إعادة ترتيب الأوراق قبل موسم انتخابي جديد؟

لا يمكن الجزم بنوايا السياسيين، ولا يجوز تحويل التوقيت وحده إلى دليل على وجود حسابات انتخابية. لكن التوقيت يظل عنصرا مشروعا في قراءة أي قرار سياسي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بانتقال منتخب من حزب إلى آخر في مرحلة تسبق الاستحقاقات. لذلك فإن الحديث عن «خدمة المواطنين» يحتاج إلى أن يترجم في الميدان، لا أن يبقى مجرد عنوان مريح لتبرير تغيير الانتماء.

في النهاية، يظل من حق مروان شباعتو أن يراجع اختياراته وأن يغير الحزب الذي ينتمي إليه، لكن من حق المواطنين أيضا أن يسألوه عن ثمن هذا التغيير وعن جدواه وعن نتائجه. فالسياسة ليست فقط بيانات تعلن المغادرة والانضمام، وليست أيضا لعبة لتبديل الألوان كلما تغيرت الظروف. السياسة مسؤولية، والمنتخب الذي اختار أن يجعل ميدلت عنوانا لقراره الجديد سيكون مطالبا بأن يثبت أن الإقليم كان فعلا هو البوصلة، وليس مجرد ورقة ضمن حسابات المرحلة.

لقد تغير القميص، وانتهت صفحة الأحرار بالنسبة إلى شباعتو وبدأت صفحة البام. لكن تغيير القميص لا يعني بالضرورة تغيير الأداء، كما أن الانتقال من حزب إلى آخر لا يمكن أن يكون في حد ذاته إنجازا سياسيا. الإنجاز الحقيقي سيبدأ يوم يستطيع شباعتو أن يقدم لميدلت ما يقول إنه لم يستطع تقديمه سابقا.

وإلى أن يحدث ذلك، سيظل هذا الانتقال السياسي محاطا بعلامات استفهام أكثر من كونه جوابا واضحا عن أزمة سياسية، وسيظل توقيته أكثر ما يلفت الانتباه في قصة رجل اختار، في آخر لحظة، أن يغيّر جلده الحزبي، تاركا للناخبين مهمة اكتشاف ما إذا كان قد غيّر فعلا قناعته السياسية، أم اكتفى بتغيير اللون الذي سيخوض به المعركة المقبلة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *