رأي حول رسوم التسجيل للموظفين في التوقيت الميسر..على ضوء التجارب الدولية

يطرح النقاش الدائر اليوم حول قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار القاضي بتوحيد رسوم التسجيل الخاصة بنظام التوقيت الميسر، ابتداءً من الموسم الجامعي 2026-2027، عدة أسئلة حول توقيت طرحه، والجهات التي ترفضه، والجهات التي تؤيده، وما الغاية من جعله قضية وطنية، وهل يستحق موضوع رسوم التسجيل للموظفين في التوقيت الميسر كل هذا النقاش؟ وهل تحديات تأهيل الجامعة المغربية والإصلاح الجامعي تنحصر في موضوع رسوم التسجيل للموظفين في التوقيت الميسر؟ وما الغاية من فرض رسوم التسجيل على الموظفين في التوقيت الميسر في هذا الوقت بالذات؟ وهل سيكون بصفة رجعية؟؟

وهل القرار الوزاري يعتبر مدخلاً للمساس بمجانية التعليم العالي؟ أم أن خلفيات وأبعاد هذا القرار تكشف أنه يندرج ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل الجامعة العمومية وضمان استدامتها، في ظل التحولات الديموغرافية والاقتصادية التي يعرفها المغرب؟ وهل سوء الفهم الكبير حول هذا القرار له علاقة بضعف الوزارة في التواصل وتفسيره بمهنية للراي العام؟؟

وللإجابة عن هذه الاسئلة، سنعتمد مقاربة مقارنة، هدفها توضيح موضوع رسوم التسجيل للموظفين في التوقيت الميسر والنقاش المفتوح حوله، بعيداً عن كل مصلحة ضيقة ، بهدف فتح نقاش مسؤول حول هذا الموضوع.

في هذا الصدد، نقول إنه، حسب تجارب عدد من الدول في مجال التعليم العالي، يتضح أن مسألة تمويل التكوين المستمر لم تعد تعالج بالطريقة نفسها التي يعالج بها التعليم الجامعي الأساسي. فهناك اتجاه متزايد نحو التمييز بين الطالب الذي يلج الجامعة في بداية مساره الدراسي ويحتاج إلى دعم عمومي يضمن له تكافؤ الفرص، وبين الموظف أو الأجير الذي يعود إلى الجامعة بعد سنوات من العمل بهدف تطوير مؤهلاته وتحسين وضعه المهني.

وهذا التمييز مهم في فهم الجدل الذي أثاره نظام التوقيت الميسر في المغرب. فالحديث عن رسوم التسجيل لا يتعلق، في جوهره، بفرض مقابل على التعليم الجامعي بشكل عام، وإنما يتعلق بنمط خاص من التكوين يستفيد منه أشخاص يوجدون أصلاً في سوق الشغل، ويتوفرون في الغالب على مصدر دخل، وينتظرون من تكوينهم الجامعي مردوداً مهنياً أو وظيفياً.

في عدد من الجامعات الأمريكية والكندية، نجد أن برامج التكوين التنفيذي والدراسات العليا المهنية تقوم، بدرجات مختلفة، على مساهمة المستفيد أو المؤسسة التي يعمل لديها في تحمل تكاليف الدراسة. والمنطق الذي يقف وراء ذلك واضح: إذا كان التكوين سيؤدي إلى تطوير الكفاءة المهنية وفتح فرص جديدة أمام الموظف، فإن الاستفادة منه لا تظل محصورة في المجال الأكاديمي، بل تمتد إلى الحياة المهنية أيضاً.

لكن الأهم في هذه التجارب ليس قيمة الرسوم في حد ذاتها، وإنما طبيعة العلاقة التي تنشأ بين الجامعة والمستفيد. فالجامعة تقدم تكويناً له كلفة، والمستفيد يساهم في تحمل جزء منها، والدولة تواصل تمويل الوظائف الأساسية للتعليم والبحث العلمي. وبهذا المعنى، يصبح التمويل مسؤولية مشتركة، بدل أن يبقى عبئاً تتحمله الخزينة العمومية وحدها.

وتقدم فرنسا مثالاً أكثر ارتباطاً بالنقاش المغربي، بحكم وجود مسارات للتكوين المستمر تسمح للموظفين والأجراء والمهنيين بمتابعة دراسات جامعية متقدمة مع الاستمرار في نشاطهم المهني. وفي بعض الحالات، يمكن أن يشارك المشغل أو هيئات تمويل التكوين المهني في تحمل التكاليف. وهذا يعني أن العودة إلى الجامعة بعد الدخول إلى الحياة المهنية لا يُنظر إليها باعتبارها امتداداً بسيطاً للدراسة الجامعية التقليدية، وإنما باعتبارها استثماراً جديداً في الكفاءة والخبرة.

وتتضح الصورة أكثر عندما نأخذ بعين الاعتبار طبيعة التوقيت الميسر نفسه. فالجامعة التي تستقبل موظفين مساءً أو خلال عطلة نهاية الأسبوع تتحمل أعباء لا تطرح بالحدة نفسها في التكوين العادي. فالقاعات يجب أن تظل مفتوحة، والأساتذة مطالبون بالتأطير، والأطر الإدارية والتقنية وأعوان الأمن والنظافة مطالبون بالحضور. وحتى استعمال المختبرات والتجهيزات والموارد الرقمية له كلفة. ولذلك، فإن القول بأن هذا النمط من التكوين لا يترتب عنه أي عبء إضافي على المؤسسة الجامعية سيكون تجاهلاً لجانب من الواقع.

وفي ألمانيا وهولندا، كما في دول أخرى، نجد بدورها صيغاً مختلفة للتعليم المستمر والتكوين الموجه إلى المهنيين، مع منح الجامعات هامشاً من الاستقلالية في تدبير هذه البرامج وتمويلها. غير أن الدولة لا تختفي من المشهد؛ فهي تستمر في تمويل التعليم والبحث العلمي، بينما تبحث الجامعات عن موارد إضافية تمكنها من تطوير خدماتها والاستجابة لحاجات جديدة في سوق الشغل.

ومن هنا يمكن فهم فكرة تنويع مصادر تمويل الجامعة العمومية. فالجامعة الحديثة تحتاج إلى موارد كبيرة لا تتوقف عند أجور العاملين أو تكاليف التدريس، بل تشمل المختبرات والتجهيزات العلمية وقواعد البيانات والبحث والابتكار واستقطاب الكفاءات. وفي ظل ارتفاع أعداد الطلبة وتزايد تكلفة البحث العلمي، يصبح من الصعب تصور مستقبل الجامعة اعتماداً على مصدر مالي واحد.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول التجارب الدولية إلى ذريعة لفرض رسوم كيفما كانت وبأي مستوى كان. فالمغرب له وضعه الاقتصادي والاجتماعي، والقدرة على تحمل تكاليف الدراسة ليست واحدة لدى جميع الموظفين. كما أن الجامعة العمومية تؤدي وظيفة اجتماعية لا يمكن اختزالها في منطق السوق.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: هل من حق الجامعة أن تفرض رسوماً على التوقيت الميسر؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: ماذا ستقدم الجامعة في مقابل هذه الرسوم؟ وكيف ستوظف الموارد المتحصلة منها؟ وهل ستعود فعلاً على المختبرات والتأطير والبحث العلمي وتحسين ظروف الدراسة؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد في نهاية المطاف مدى مشروعية الإصلاح وقبوله. فإذا تحولت الرسوم إلى مجرد مورد مالي جديد دون تحسين ملموس للخدمة الجامعية، فإن الاعتراض عليها سيجد ما يبرره. أما إذا ارتبطت ببرنامج واضح لتحسين التكوين والبحث والتأطير، فإنها يمكن أن تصبح جزءاً من تصور جديد لتمويل التعليم المستمر.

ثم إن العدالة لا تعني بالضرورة أن يستفيد الجميع من الدعم العمومي بالطريقة نفسها. قد يكون من الأكثر عدلاً أن توجه الموارد المحدودة إلى الطالب الذي لا يتوفر على دخل ويحتاج إلى الدعم حتى يتمكن من إكمال دراسته، بينما يساهم الموظف القادر على الأداء في جزء من تكلفة تكوينه، خصوصاً إذا كان هذا التكوين سيعود عليه بمكاسب مهنية واضحة.

لكن هذا المنطق لا يكتمل إلا بضمانات اجتماعية واضحة. ينبغي أن تكون هناك إعفاءات أو تخفيضات للحالات التي تستحقها، وإمكانية للتقسيط، وربما صيغ للتكفل من طرف الإدارات والمؤسسات المشغلة عندما يكون التكوين مرتبطاً بحاجاتها المهنية. فالمساهمة المالية تصبح أكثر قبولاً عندما تكون جزءاً من منظومة عادلة، وليس مجرد قرار مالي منفصل عن الواقع الاجتماعي للمستفيدين.

والأمر نفسه ينطبق على الدكتوراه والتكوينات البحثية. فالطالب الموظف لا يحتاج فقط إلى مقعد في المدرج، وإنما يحتاج إلى أستاذ مؤطر، ومختبر، ومعدات، ومراجع وقواعد بيانات، ووقت للبحث والتواصل العلمي. وهذه كلها عناصر لها تكلفة حقيقية. لذلك، فإن تحميل جزء من هذه التكلفة للمستفيد، في حدود معقولة ومضبوطة، لا ينبغي أن يُنظر إليه تلقائياً باعتباره تراجعاً عن مجانية التعليم، ما دام التعليم الأساسي يظل مكفولاً وما دامت المساهمة مرتبطة بنمط خاص من التكوين.

إن التجارب الدولية، في نهاية المطاف، لا تقول إن الرسوم هي الحل، ولا تقول إن المجانية هي الحل في كل الحالات. ما تقوله، بشكل أوضح، هو أن الجامعة تحتاج إلى نموذج تمويل أكثر تنوعاً، وأن الدولة والمستفيد والمشغل يمكن أن يتقاسموا المسؤولية بحسب طبيعة التكوين والقدرة على الاستفادة منه.

وهذا هو النقاش الذي يحتاجه المغرب اليوم: ليس نقاشاً أيديولوجياً حول «المجانية» و«الرسوم»، وإنما نقاش حول أي جامعة نريد، ومن يمولها، وكيف نضمن استدامتها، وكيف نحافظ في الوقت نفسه على وظيفتها الاجتماعية. فإذا استطاع نظام التوقيت الميسر أن يجمع بين هذه العناصر، فقد يتحول من مجرد إجراء مالي إلى مدخل لإعادة التفكير في علاقة الجامعة المغربية بالتكوين المستمر وبالمهنيين وبسوق الشغل.

وعليه، فإن تبني النظام الميسر من شأنه تعزيز استقلالية الجامعات من خلال اعتماد موارد ذاتية، تعد إحدى مؤشرات استقلالية الجامعات وقدرتها على التخطيط والاستثمار بعيداً عن الاعتماد الكامل على الميزانية العامة. فكلما تنوعت مصادر التمويل، ازدادت قدرة الجامعة على تطوير بنياتها وتجهيزاتها واستقطاب الباحثين. وقد اعتمدت هولندا وألمانيا نماذج تمنح الجامعات استقلالية مالية وإدارية أوسع، مع استمرار الدعم الحكومي، وهو ما ساهم في تحسين الأداء الأكاديمي والبحثي لهذه المؤسسات.

كما يرتكز الإصلاح على فكرة أن الموارد العمومية ينبغي أن تعطى الأولوية للطلبة المتفرغين الذين لا يتوفرون على مصدر دخل، بينما يمكن للموظفين المساهمة في تمويل تكوينهم المستمر. ويهدف ذلك إلى توجيه الدعم العمومي نحو الفئات الأكثر احتياجاً وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص. وتسير عدة دول أوروبية في الاتجاه نفسه؛ ففي السويد وفنلندا، يظل التعليم الجامعي الأساسي مجانياً للمواطنين، بينما تخضع بعض برامج التعليم المستمر والتكوين المهني المتقدم لرسوم أو لمساهمات مالية بحسب طبيعة البرنامج والفئة المستفيدة، مع استمرار أنظمة الدعم الاجتماعي والمنح.

وفي المقابل، يظل نجاح هذا الإصلاح رهيناً بمجموعة من الضمانات الأساسية، في مقدمتها اعتماد نظام واضح للإعفاءات لفائدة ذوي الدخل المحدود، وإحداث آليات للتقسيط أو التمويل، وربط الرسوم بتحسين ملموس في جودة الخدمات الجامعية، حتى يلمس المستفيدون أثر مساهماتهم في تطوير المؤسسة الجامعية.

وفي المحصلة، لا يمكن النظر إلى رسوم التسجيل في نظام التوقيت الميسر باعتبارها مجرد إجراء مالي، وإنما باعتبارها جزءاً من إصلاح يروم تحقيق توازن بين مجانية التعليم الأساسي، واستدامة الجامعة العمومية، وجودة البحث العلمي، وترشيد الإنفاق العمومي. وإذا ما أرفق هذا الإصلاح بسياسات اجتماعية منصفة وآليات شفافة لتدبير الموارد، فقد يشكل خطوة مهمة نحو بناء جامعة أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة لتحديات التنمية والاقتصاد القائم على المعرفة.

اخيرا ، اقول تخوفات وتحفظات المعارضين لهذا القرار تبقي ”مشروعة”، لان شكليات تنفيذ القرار فيها عدة زوايا رمادية، لذلك ادعو الوزارة الوصية الخروج من صمتها لتفسير الجوانب الغامضة حول كيفية تنفيذ هذا القرار، وتقديم الكثير من التفاصيل حوله ، لان الصمت في مثل هذه الحالات يغذي التأويلات والإشاعات والتخوفات التي ينكن ان تفرمل كل اصلاح استراتيجي لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي.

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *