تستعد الأمم المتحدة لمرحلة سياسية جديدة مع اقتراب انتهاء الولاية الثانية لأنطونيو غوتيريش في دجنبر المقبل، غير أن اختيار خلفه لا يبدو مجرد سباق دبلوماسي على منصب دولي رفيع، بل يتقاطع مع تحولات أوسع تمس طريقة اشتغال المنظمة نفسها، من ميزان القوى داخل مجلس الأمن إلى حجم الإنفاق ودور المؤسسة في إدارة الأزمات الدولية.
وتشير تقارير صحفية ودبلوماسية إلى أن المنافسة على المنصب دخلت مرحلة دقيقة، بعدما أجريت ثلاث جولات من الاقتراع السري بين أعضاء مجلس الأمن، من دون أن يبرز حتى الآن اسم يحظى بتوافق واضح. وفي موازاة ذلك، تتحرك القوى الكبرى لتحديد مواصفات الأمين العام المقبل، وسط مطالب بأن يكون أكثر قدرة على الدفع بالإصلاحات الداخلية وإعادة تركيز المنظمة على مهامها الأساسية.
وتكتسب هوية المرشح المقبل أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة آلية الاختيار، إذ يبدأ المسار داخل مجلس الأمن عبر مشاورات واقتراعات غير رسمية، قبل أن يرفع المجلس اسما واحدا إلى الجمعية العامة. ويحتاج المرشح إلى تسعة أصوات على الأقل، مع تفادي استخدام أي من الدول الخمس دائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، لحق النقض.
ومع ذلك، لا تزال الخريطة مفتوحة أمام دخول أسماء جديدة أو انسحاب مرشحين حاليين، في وقت ترتبط فيه بعض الترشيحات بحسابات القوى الكبرى ومواقفها من الملفات الدولية الأكثر حساسية.
ومن بين الأسماء التي تواجه تعقيدات في السباق، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، بعدما أفادت تقارير بأن موسكو أبلغت بإمكانية استخدام الفيتو ضده على خلفية طريقة تعامله مع أزمة محطة زاباروجيا النووية في أوكرانيا. وفي المقابل، تواجه سفيرة غيانا لدى الأمم المتحدة كارولين رودريغز-بيركيت معارضة أمريكية بسبب مواقفها من الحرب في غزة.
ويأتي ذلك في وقت تبرز فيه قاعدة التوزيع الجغرافي غير المكتوبة للمنصب، إذ تعاقب على الأمانة العامة في السنوات الأخيرة مسؤولون من أفريقيا وآسيا وأوروبا الغربية، ما يجعل أمريكا اللاتينية والكاريبي ضمن المناطق المرشحة لاحتضان الأمين العام المقبل.
لكن الصراع على المنصب يخفي مفارقة أساسية؛ فالأمين العام، رغم رمزية موقعه وحضوره في الأزمات الدولية، لا يمتلك سلطة تنفيذية مطلقة، ولا يملك جيشا يفرض به قرارات المنظمة. وتبقى قدرته مرتبطة بمدى استعداد الدول الأعضاء، ولا سيما القوى الكبرى، للتوافق على التحرك في القضايا المطروحة.
وفي واشنطن، لا تبدو الإدارة الأمريكية بعيدة عن تفاصيل السباق. فقد أوردت تقارير أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تعمل على التأثير في ملامح القيادة المقبلة، وأن السفير جيف بارتوس، المكلف بشؤون إدارة وإصلاح الأمم المتحدة، أجرى لقاءات متعددة مع المرشحين للمنصب.
وتضع الإدارة الأمريكية ملف الإصلاح في صدارة أولوياتها، مع الدفع نحو تقليص حجم المنظمة وخفض نفقاتها وإعادة توجيه مواردها نحو ما تعتبره وظائفها الأساسية. وقال بارتوس إن واشنطن تريد أمينا عاما يقود عملية إصلاح خلال السنوات المقبلة ويواصل مسار “العودة إلى الأساسيات وتبسيط المنظمة”.
وتزامنت هذه التحركات مع إجراءات أمريكية تستهدف ميزانية الأمم المتحدة وهيكلها الإداري. ووفق المعطيات الواردة في التقارير، جرى خفض أكثر من مليار دولار من الميزانية وتقليص آلاف الوظائف، إلى جانب خفض كبير في عدد عناصر قوات حفظ السلام.
وفي المقابل، دافعت الأمم المتحدة عن فعالية عملياتها، مؤكدة استمرار العمل مع الدول الأعضاء لضمان قدرة قوات حفظ السلام على تنفيذ المهام التي يكلفها بها مجلس الأمن بكفاءة.
غير أن مستقبل المنظمة لا يرتبط فقط بشخصية الأمين العام، إذ يتجه النقاش بصورة متزايدة نحو تركيبة مجلس الأمن نفسه. فقد أعادت الحروب والأزمات المتصاعدة خلال السنوات الأخيرة إحياء المطالب بتوسيع المجلس، وإنهاء احتكار الدول الخمس الدائمة العضوية للتمثيل الدائم وحق النقض.
وتطالب دول مثل الهند والبرازيل وتركيا ونيجيريا منذ سنوات بإعادة النظر في تركيبة المجلس، معتبرة أن موازين الاقتصاد والسكان والنفوذ الدولي تغيرت بصورة لا تعكسها البنية الحالية. ويطرح هذا النقاش أيضا مسألة تمثيل أفريقيا وأمريكا اللاتينية، في ظل غياب مقاعد دائمة لهاتين المنطقتين.
ويحمل إصلاح مجلس الأمن تبعات تتجاوز مسألة التمثيل، إذ يرتبط أيضا بقدرة المنظمة على الحفاظ على شرعيتها وجذب التمويل من دول كبرى ترى أن نفوذها الاقتصادي والسياسي لا ينعكس بصورة كافية داخل مؤسسات الأمم المتحدة.
ورغم اتساع دائرة المطالب بالإصلاح، تظل العقبة الأساسية قائمة أمام أي تغيير جوهري، وهي موافقة الدول الخمس الدائمة العضوية على تعديل نظام يمنحها امتيازات استثنائية داخل مجلس الأمن.
وفي خلفية هذا الصراع المؤسسي، يظهر تحول أوسع في النظام الدولي. فالتوتر المتزايد في العلاقات بين واشنطن وعدد من حلفائها وشركائها، إلى جانب صعود قوى اقتصادية وسياسية جديدة، يدفع بعض الدول إلى البحث عن مساحات أكبر من الاستقلال في علاقاتها الدولية.
وتبرز كندا مثالا على هذا التحول، بعدما دعا رئيس وزرائها مارك كارني إلى تقليص الاعتماد على القوة الأمريكية التقليدية، بالتزامن مع انفتاح بلاده على استقطاب استثمارات وشراكات جديدة، من بينها مع الصين.
وهكذا، لا يبدو اختيار خليفة غوتيريش منفصلا عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي. فالأسماء المتنافسة على المنصب تخضع لحسابات القوى الكبرى، فيما تتزامن عملية الاختيار مع نقاش أوسع حول ميزانية المنظمة، وإصلاح مؤسساتها، وتركيبة مجلس الأمن، ومستقبل نظام دولي تأسس قبل أكثر من ثمانية عقود ويواجه اليوم اختبارا جديدا.