لم تكتفِ انتخابات 23 شتنبر 2026 بإعادة توزيع المقاعد بين الأحزاب، بل حملت معها تغييرات لافتة على مستوى الأسماء التي كانت حاضرة بقوة داخل مجلس النواب خلال الولاية التشريعية المنتهية. فقد وجد عدد من البرلمانيين أنفسهم خارج المؤسسة التشريعية، بعدما عجزوا عن انتزاع مقاعدهم مجدداً، في وقت تمكنت أسماء أخرى من تجديد حضورها النيابي.
وتكتسي هذه النتائج دلالة خاصة بالنظر إلى أن بعض الذين غادروا البرلمان لم يكونوا مجرد نواب عاديين، بل شغلوا مواقع داخل فرقهم البرلمانية أو تحملوا مسؤوليات حزبية وبرلمانية خلال الولاية السابقة. كما أن خسارة بعضهم وقعت في دوائر كانوا قد نجحوا فيها خلال استحقاقات سابقة، بما يعكس تغيراً في موازين المنافسة المحلية وتبدل خريطة المرشحين المستفيدين من أصوات الناخبين.
وكانت وزارة الداخلية قد أفادت، قبل الاقتراع، بأن 227 عضواً من أعضاء البرلمان المزاولين لمهامهم تقدموا بترشيحاتهم للاستحقاقات الجديدة، بينهم 204 نواب و20 نائبة وثلاثة مستشارين. وبعد إعلان النتائج النهائية، التي أكدت الداخلية أنها جاءت مطابقة للنتائج العامة المؤقتة، برزت لائحة من الأسماء التي لم تتمكن من العودة إلى المؤسسة التشريعية.
ومن أبرز الحالات، حسن التابي، مرشح حزب الأصالة والمعاصرة بدائرة طاطا، الذي لم يتمكن من الاحتفاظ بالمقعد الذي سبق أن فاز به، لينتهي بذلك حضوره البرلماني بعد أن ارتبط اسمه خلال الولاية السابقة بعبارة “فين أوا غادي”.
وفي صفرو، شكلت خسارة إدريس الشطيبي إحدى النتائج اللافتة، بعدما حل في المرتبة الخامسة بـ4 آلاف و843 صوتاً، في دائرة لم تمنح حزبه أحد المقاعد الثلاثة. وفي المقابل، تصدر مصطفى لخصم النتائج، متبوعاً بإدريس الشبشالي ويوسف منضور. وكان الشطيبي قد شغل منصب النائب الثالث لرئيس مجلس النواب خلال الولاية المنتهية، كما سبق له الفوز بمقعد عن الدائرة خلال ولايتين متتاليتين.
ولم تقتصر التحولات على صفرو، إذ فشل حميد دراق، عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في الحفاظ على مقعده بدائرة تطوان، بينما انتهت المنافسة في فاس الجنوبية إلى خروج علال العمراوي، رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، من مجلس النواب، في نتيجة أعادت ترتيب التمثيلية الحزبية داخل الدائرة.
وعلى مستوى حزب التجمع الوطني للأحرار، حملت النتائج بدورها خسائر لعدد من الوجوه التي كانت حاضرة خلال الولاية السابقة، من بينهم يوسف شيري بدائرة ورزازات، وعبد الواحد الشفاقي بمراكش المنارة، إلى جانب علاء الدين البحراوي بدائرة الرباط شالة، وعمر الأزرق بسلا المدينة، والتهامي الوزاني بفاس الشمالية.
وفي الناظور، أفرزت النتائج خروج اسمين بارزين من سباق العودة إلى البرلمان، ويتعلق الأمر بمحمادي توحتوح عن حزب الاستقلال ومحمد أبرشان عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في وقت أعادت فيه نتائج الدائرة رسم تركيبة ممثليها داخل مجلس النواب.
كما شملت لائحة النواب الذين لم يتمكنوا من تجديد عضويتهم أسماء عن حزب التقدم والاشتراكية، من بينها خديجة أروهال بدائرة تزنيت، ومحمد عواد بسلا المدينة، وحسن أومريبط بأكادير إداوتنان، إضافة إلى رحو الهيلع بدائرة الرماني تيفلت وعمرو أوجيل بالرشيدية.
وتكشف هذه النتائج أن الخروج من البرلمان لم يقتصر على لون حزبي واحد، بل امتد إلى مجموعة من الأحزاب، بما فيها جبهة القوى الديمقراطية والاتحاد الدستوري. ففي سطات، لم يتمكن محمد هيشامي، الذي سبق أن ظفر بالمقعد باسم الحركة الشعبية، من العودة هذه المرة باسم جبهة القوى الديمقراطية، كما فشل محمد القاسمي، مرشح الاتحاد الدستوري بالدائرة نفسها، في حجز مقعد ضمن التركيبة الجديدة.
وتعطي هذه المعطيات صورة أولية عن أحد أبرز ملامح انتخابات 2026: تجدد جزء من النخبة البرلمانية مقابل مغادرة أسماء راكمت تجربة داخل المؤسسة التشريعية. فالانتخابات لم تكن فقط سباقاً بين الأحزاب للحصول على أكبر عدد من المقاعد، وإنما كانت أيضاً اختباراً جديداً للوجوه التي ارتبط حضورها النيابي بدوائر انتخابية محددة، وأظهرت النتائج أن امتلاك تجربة برلمانية سابقة لم يكن كافياً بالضرورة لضمان العودة إلى مجلس النواب.
وتبرز حالة صفرو، على سبيل المثال، حجم التحول الذي يمكن أن تحدثه المنافسة المحلية؛ إذ انتقل مركز الصدارة من أسماء كانت حاضرة في المشهد البرلماني إلى مرشحين جدد أو منافسين تمكنوا من تغيير ترتيب القوى داخل الدائرة. وبذلك، تبدو خريطة مجلس النواب الجديد مختلفة ليس فقط من حيث توزيع المقاعد بين الأحزاب، وإنما أيضاً من حيث الوجوه التي ستشغلها خلال الولاية التشريعية المقبلة.
وفي المقابل، لم تكن كل التجارب السابقة مآلها الخروج من البرلمان، إذ تمكن عدد من النواب الذين سبق لهم شغل مقاعد خلال ولايات تشريعية سابقة من تجديد حضورهم، وهو ما يجعل الصورة النهائية أقرب إلى عملية إعادة فرز داخل النخب البرلمانية، احتفظ خلالها بعض الأسماء بمواقعها، بينما فتحت النتائج الباب أمام وجوه جديدة لتولي مسؤولية التمثيل النيابي.