دراسة تكشف مفارقة انتخابية بالمغرب: دعم للديمقراطية وعزوف عن الأحزاب

تكشف معطيات دراسة حديثة عن مفارقة بارزة في المشهد السياسي المغربي، تتمثل في استمرار تأييد شريحة واسعة من المواطنين للنظام البرلماني متعدد الأحزاب، مقابل ضعف الثقة في الأحزاب السياسية وتراجع الإقبال على الانتخابات. وبدلاً من تفسير العزوف الانتخابي باعتباره رفضاً للديمقراطية، ترى الدراسة أن الظاهرة ترتبط أساساً بأزمة ثقة في الأحزاب ودورها كوسيط بين المواطنين والمؤسسات، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات انتخابية جديدة.

الدراسة، الصادرة في يونيو 2026 عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، أعادت قراءة معطيات المشاركة في انتخابات 2021 من خلال احتساب مجموع المواطنين الذين كانوا في سن التصويت، وليس فقط المسجلين في اللوائح الانتخابية. ووفق المعطيات التي أوردتها، بلغ عدد المواطنين في سن التصويت آنذاك نحو 25.23 مليون شخص، مقابل 17.51 مليوناً كانوا مسجلين في اللوائح الانتخابية، بينما لم يتجاوز عدد المصوتين 8.8 ملايين ناخب.

وتكشف هذه الأرقام أن حوالي 16.4 مليون مواطن كانوا خارج العملية الانتخابية، سواء بسبب عدم التسجيل في اللوائح أو عدم التوجه إلى مكاتب التصويت، وهو ما يمثل قرابة 65 في المائة من مجموع المواطنين الذين كانوا في سن التصويت. أما نسبة المشاركة الرسمية، التي بلغت 50.35 في المائة، فقد احتُسبت على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، وليس على أساس مجموع المواطنين الذين يحق لهم التصويت.

وعند اعتماد الهيئة الانتخابية المحتملة بأكملها كمرجع لقياس المشاركة، فإن عدد الذين شاركوا فعلياً في انتخابات 2021 لا يمثل سوى حوالي 35 في المائة من المواطنين في سن التصويت. وترى الدراسة أن هذا الأسلوب في قراءة الأرقام يقدم صورة مختلفة عن حجم المشاركة السياسية الفعلية، ويبرز الفجوة القائمة بين عدد المواطنين المؤهلين للتصويت وعدد الذين يشاركون فعلياً في العملية الانتخابية.

غير أن الوثيقة لا تعتبر هذه الفجوة دليلاً مباشراً على رفض المغاربة للديمقراطية، بل تربطها بشكل أكبر بتراجع الثقة في الأحزاب السياسية وقدرتها على تمثيل المواطنين والتأثير في السياسات العمومية. وتستند الدراسة في هذا الجانب إلى نتائج الموجة الثامنة من «الباروميتر العربي» الخاصة بالمغرب، والتي أظهرت أن 68 في المائة من المستجوبين يؤيدون النظام البرلماني متعدد الأحزاب، في حين لا تتجاوز نسبة الذين يعلنون ثقتهم في الأحزاب السياسية 18 في المائة.

وتظهر المفارقة بشكل أوضح عند مقارنة هذه النسبة بمستويات الثقة في المؤسسات الأخرى، إذ بلغت الثقة في البرلمان 38 في المائة، مقابل 33 في المائة بالنسبة إلى الحكومة. وتقرأ الدراسة هذه الأرقام باعتبارها مؤشراً على وجود قبول لمبدأ التعددية البرلمانية، مقابل أزمة ثقة في التنظيمات الحزبية التي يفترض أن تشكل الواجهة السياسية لهذا النظام.

وتربط الدراسة هذا الوضع بما تعتبره ضعفاً في وظيفة الوساطة السياسية، معتبرة أن جزءاً من الأحزاب أصبح أكثر انشغالاً بالحسابات التنظيمية والتحالفات وتدبير المواقع، على حساب بناء هويات سياسية وبرامجية واضحة. ونتيجة لذلك، يجد الناخب نفسه أمام أسماء ولوائح انتخابية أكثر من وجوده أمام مشاريع سياسية متمايزة يمكن مقارنتها ومتابعة تنفيذها ومحاسبة أصحابها على أساس نتائجها.

كما تتوقف الدراسة عند التحولات التي شهدتها الخريطة البرلمانية بين انتخابات 2016 و2021، حيث انتقل أحد الأحزاب من 125 مقعداً إلى 13 مقعداً، في حين ارتفع رصيد حزب آخر من 37 إلى 102 مقعد. غير أنها تنبه إلى أن هذه التحولات لا يمكن تفسيرها بالكامل بتغير اختيارات الناخبين، بالنظر إلى تعديل طريقة احتساب القاسم الانتخابي التي اعتُمدت خلال انتخابات 2021 وكان لها تأثير في توزيع المقاعد.

وتحذر الوثيقة من أن استمرار التقلبات الانتخابية في غياب هويات حزبية أكثر وضوحاً قد يؤدي إلى ترسيخ ما تصفه بالتصويت العقابي الظرفي، بدل بناء اختيارات سياسية مستقرة تقوم على البرامج والأفكار. فالتغيير المستمر في موازين القوى بين الأحزاب لا يعني بالضرورة تطوراً في الاختيارات السياسية، إذا لم يكن مصحوباً بوضوح أكبر في المشاريع والمرجعيات والالتزامات التي تقدم للناخبين.

ولا تفصل الدراسة أزمة المشاركة السياسية عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً لدى فئة الشباب. وتشير في هذا الصدد إلى معدل بطالة وطني في حدود 13 في المائة، مقابل 37.2 في المائة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، و19.1 في المائة لدى حاملي الشهادات، وهي عوامل يمكن أن تؤثر في نظرة المواطنين، ولا سيما الشباب، إلى المؤسسات السياسية وقدرتها على الاستجابة لمطالبهم.

وفي ما يتعلق بالشباب، لا تعتبر الدراسة أن الابتعاد عن صناديق الاقتراع يعني بالضرورة انسحاب هذه الفئة من الحياة السياسية. وتوضح أن جزءاً من التفاعل السياسي انتقل إلى الفضاء الرقمي، حيث تحضر قضايا التشغيل والتعليم والعدالة الاجتماعية والبيئة بشكل متزايد، في حين تواجه الأحزاب صعوبة في الوصول إلى الشباب واستقطابهم عبر قنوات التواصل التقليدية.

وتشير الدراسة في المقابل إلى تطور حضور النساء داخل المؤسسة التشريعية، حيث ارتفعت نسبة تمثيليتهن في البرلمان من 10 في المائة سنة 2002 إلى 24.3 في المائة سنة 2021. وترى أن هذا التطور يبرز إمكانية إحداث تغييرات في بنية التمثيلية السياسية من خلال آليات مؤسساتية واضحة، مع استمرار الحاجة إلى تعزيز حضور النساء في مواقع التأثير وصناعة القرار.

وفي أفق 2035، تقترح الوثيقة مجموعة من الإجراءات التي تستهدف إعادة بناء الثقة في الوساطة الحزبية، من بينها تعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وتجديد النخب السياسية، وإلزام التنظيمات الحزبية بتقديم برامج واضحة وقابلة للقياس والتقييم، فضلاً عن تسهيل التسجيل في اللوائح الانتخابية وتطوير آليات جديدة للمشاركة السياسية على المستوى المحلي والرقمي.

كما تضع الدراسة أهدافاً محددة للمرحلة المقبلة، من بينها رفع نسبة المشاركة الانتخابية إلى 65 في المائة وتقليص حجم المواطنين الموجودين خارج العملية الانتخابية إلى 40 في المائة بحلول سنة 2035، بالتوازي مع مجموعة من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي ترى الوثيقة أنها ضرورية لتحسين علاقة المواطنين بالمؤسسات السياسية.

وتخلص الدراسة إلى أن إعادة الناخب المغربي إلى صناديق الاقتراع لن تتحقق بمجرد تكثيف الحملات الانتخابية أو رفع مستوى التعبئة قبيل الاستحقاقات، وإنما تتطلب استعادة الثقة في جدوى التصويت وفي قدرة الأحزاب على تحويل برامجها ووعودها إلى سياسات ونتائج ملموسة. وبحسب هذا الطرح، فإن التحدي لا يتمثل فقط في إقناع المواطنين بالمشاركة، بل في إعادة بناء العلاقة بين الناخب والأحزاب على أساس التمثيل الفعلي والمساءلة والبرامج القابلة للتقييم.

وتبرز المعطيات التي تستند إليها الدراسة مفارقة أساسية في علاقة المغاربة بالسياسة: فالتأييد لمبدأ الديمقراطية والتعددية البرلمانية يبدو أوسع بكثير من مستوى الثقة في الأحزاب السياسية. وبين قبول النظام السياسي من جهة، والعزوف عن المشاركة الحزبية والانتخابية من جهة أخرى، تتشكل فجوة ترى الدراسة أن تضييقها يتطلب إصلاحاً عميقاً لوظيفة الوساطة السياسية، وتجديداً للنخب، وتواصلاً أكثر فعالية مع المواطنين، خصوصاً الشباب.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *