الرباط تواصل مسيرتها التحديثية العسكرية، واضعةً نصب عينيها بناء منظومة دفاع جوي متكاملة متعددة الطبقات، في مشهد يثير اهتماماً خاصاً لدى الجارة الشمالية التي تراقب عن كثب كل خطوة تخطوها القوات المسلحة الملكية نحو تعزيز سيادتها الجوية.
وكشفت معطيات حديثة، استندت إلى صور الأقمار الصناعية، وفق ما ذكره موقع “الدفاع العربي” المتخصص في شؤون الجيوش العربية، عن انتشار منظومة “سبايدر” الدفاعية الإسرائيلية في قاعدة سيدي يحيى الغرب العسكرية القريبة من العاصمة الرباط، في مؤشر جديد على وتيرة التسلح المتسارعة التي يعرفها المغرب منذ استئناف علاقاته الدبلوماسية مع تل أبيب قبل ستة أعوام.
وتُعد هذه المنظومة، التي تصل قدراتها الاعتراضية في بعض نسخها إلى مدى 80 كيلومتراً، ثمرة تطوير إسرائيلي مشترك بين شركتي “رافائيل” والصناعات الجوية، وصُممت لاعتراض الطائرات المأهولة والمسيّرة والمروحيات، إضافة إلى الصواريخ والذخائر الموجهة، حتى في بيئات الحرب الإلكترونية المعقدة.
ولا تقف عملية التحديث عند حدود اقتناء منظومة واحدة، يضيف المصدر نفسه، بل تدخل ضمن استراتيجية أوسع يرسمها المغرب لتأمين مجاله الجوي، حيث يجمع بين أنظمة إسرائيلية متقدمة كـ”باراك إم إكس”، وأخرى صينية كـ”إف دي-2000 بي” و”سكاي دراغون 50″، فضلاً عن تجهيزاته الفرنسية، في مزيج دفاعي يهدف إلى إنشاء شبكة مرنة ومتعددة الطبقات قادرة على التعامل مع تهديدات متنوعة وعلى مسافات متفاوتة.
مشيرا إلى أن وهذا التنوع، يمنح الرباط مرونة تكتيكية ولوجستية، ويقترب بها تدريجيا من تحقيق تفوق نوعي في الدفاع الجوي، في وقت تواصل فيه تطوير قدراتها في مجالات الرادارات، والطائرات المسيّرة، والاستطلاع، والحرب الإلكترونية.
غير أن هذه الديناميكية الدفاعية، يورد المصدر، لم تمر مرور الكرام على العاصمة الإسبانية مدريد، التي تبدي انشغالاً متزايداً بالتطورات العسكرية لجارتها الجنوبية، خصوصاً في ظل القرب الجغرافي الذي يجعل من المضيق ومنطقة غرب المتوسط رقعة حساسة للتوازنات الأمنية. ففي حال نشر بعض المنظومات الصينية بعيدة المدى شمال المملكة، فإن مداها الذي يتراوح بين 200 و250 كيلومتراً قد يضع أجزاءً من جنوب إسبانيا ضمن نطاق التهديد المحتمل، بينما يمكن لراداراتها، التي يصل مدى كشفها إلى حوالي 280 كيلومتراً، مراقبة قطاعات واسعة من الأجواء الإسبانية، وهو ما تعتبره التحليلات العسكرية الإسبانية تطوراً يستدعي إعادة قراءة معادلات الردع في المنطقة.
وخلافاً للنظرة الإسبانية التي تركز على تداعيات هذا التسلح، فإن المغرب ينظر إلى هذه القدرات باعتبارها حقاً سيادياً يكرس حماية حدوده ومصالحه الاستراتيجية، ويرفع كلفة أي تهديد محتمل على مجاله الجوي. ومع أن إسبانيا تبقى مدعومة بعضوية الناتو وتقنياتها المتقدمة، فإن التراكم النوعي السريع في الترسانة المغربية يعيد تشكيل موازين القوة تدريجياً، ويفرض واقعاً دفاعياً جديداً في غرب المتوسط، باتت مدريد مضطرة لمتابعته عن كثب، في ظل مسيرة تحديث مغربية تبدو عازمة على المضي قدماً، دون تراجع.