بموازاة اصطفاف مكونات الأغلبية البرلمانية وراء التوجه الملكي في تدبير قضية الصحراء المغربية، عكست مداخلات فرق ومكونات المعارضة خلال الجلسة المشتركة لمجلسي البرلمان، المنعقدة الاثنين 2 نونبر 2026، تباينا في زوايا التعاطي مع مستجدات الملف، بين التشديد على مسؤولية الجزائر في استمرار النزاع، والدعوة إلى إنهاء معاناة المحتجزين بمخيمات تندوف، مقابل إثارة أسئلة بشأن جدوى الرهان على التطبيع في الدفاع عن الوحدة الترابية، وضرورة تقوية الجبهة الداخلية عبر إصلاحات سياسية وديمقراطية. وبينما جدد إدريس الأزمي التأكيد على سياسة اليد الممدودة تجاه الجزائر، صعّد محمد أوزين من انتقاداته للنظام الجزائري، في حين ربطت نبيلة جلال تحصين الوحدة الترابية بتوسيع المشاركة الشعبية وتحقيق الانفراج السياسي والعدالة الاجتماعية.
ياسين عوكاشا:قضية الصحراء المغربية لا تقبل الاختلاف
وفي هذا الصدد، قال رئيس الفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار، ياسين عوكاشا، إن التطورات التي عرفتها قضية الصحراء المغربية “تستدعي منا جميعا استحضار عمق المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقنا وتجديد التعبير القوي عن وحدة وصلابة الجبهة الوطنية”، كما تستدعي أيضا الاعتزاز بما حققه المغرب من مكتسبات دبلوماسية متراكمة تحت قيادة الملك محمد السادس.
وشدد على أن قضية الصحراء المغربية لا تقبل الاختلاف، معبرا عن اعتزازه بحجم التحول الذي عرفته القضية الوطنية بفضل “الدبلوماسية الملكية الرصينة والقائمة على وضوح الرؤية وثبات الموقف وتراكم المكاسب وبناء التحالفات بمنظار وحدتنا الترابية”.
واعتبر أن “عيد الوحدة ليس مجرد مناسبة في بناء الذاكرة الوطنية، بل هو تعبير عن حقيقة راسخة مفادها أن وحدة المغرب هي امتداد لتاريخ عريق وعنوان لسياسة ثابتة ورابطة وطنية دينية ودستورية لا تنفصم”، معبرا عن اعتزاز فريقي حزبه بالبرلمان بمضامين بلاغ الديوان الملكي عقب اجتماع مجلس الأمن.
وقال عوكاشا: “إننا في فريقي التجمع الوطني للأحرار لنعبر عن اعتزازنا العميق بالمضامين التاريخية لبلاغ الديوان الملكي الصادر عقب اجتماع مجلس الأمن اليوم 30 أكتوبر 2026، فإننا نستحضر بكل فخر ما أكده البلاغ من انتقال في التعاطي مع قضيتنا الوطنية من مجرد تطبيق التدبير إلى مقاربة مبنية على التحول العميق”.
ودعا عوكاشا إلى الانتقال من منطق مواكبة المكتسبات إلى منطق استثمارها، ومن التعبئة الظرفية إلى التعبئة الاستراتيجية الداعمة، حتى تتحول التحولات الدبلوماسية المتراكمة إلى مكاسب سياسية ومؤسساتية راسخة تجسد حقيقة أن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها.
ادريس الأزمي:الجزائر تعرف أكثر من غيرها حق المغرب الثابت في الصحراء رغم استمرار معاكستها له
أكد إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس الفريق النيابي للعدالة والتنمية بمجلس النواب، أن حرص المغرب، ملكاً وشعباً، على الدفاع عن سيادته ووحدته الوطنية والترابية “لا يعادله من جهة أخرى إلا سعيه المتواصل إلى تجاوز الخلافات مع الجزائر الشقيقة”، رغم ما يلحقه ذلك من أذى ومن استمرار ما وصفه بمسلسل “معاكستها لحقه الثابت في الصحراء المغربية، والذي يعرفه الأشقاء الجزائريون أكثر من غيرهم”.
وذكّر الأزمي، في كلمته باسم الفريق خلال الجلسة العمومية المشتركة بين مجلسي البرلمان لمناقشة مستجدات القضية الوطنية، بأن الملك محمد السادس ما فتئ، منذ اعتلائه العرش، “وبإرادة ملكية شجاعة وراسخة، يؤكد سياسة اليد المدودة لتجاوز منطق القطيعة، وبناء مستقبل مشترك”، امتثالاً لقوله تعالى: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون».
وأوضح أن هذه الجلسة تنعقد في “لحظة وطنية جامعة يلتئم فيها ممثلو الأمة، بمختلف انتماءاتهم”، بعد يومين من احتفال المغاربة بأول عيد للوحدة، الذي أقره الملك على إثر القرار 2797، الذي كرّس مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية “كأساس وحيد للمفاوضات نحو حل سياسي نهائي لهذا النزاع الإقليمي المفتعل”.
واعتبر أن الفريق يرى في القرار “إنجازاً تاريخياً كبيراً وانتصاراً للشرعية والحق المغربي القائم على روابط البيعة الشرعية المتواصلة وحقائق التاريخ الثابتة، والتلاحم الديني والاجتماعي والثقافي بين أبناء الوطن الواحد”.
وشدد الأزمي على الدعم “الكامل والقوي” لمضامين البلاغ الملكي، الذي وضع ملف الصحراء المغربية، بحسب تعبيره، في سياقه الجديد، “في اتجاه الطي النهائي لهذا الملف داخل أروقة الأمم المتحدة”، بعد إنهاء ولاية بعثة المينورسو والشروع في تصفيتها، عقب عدم تجديد مجلس الأمن لولايتها في اجتماعه الماضي، ولانتفاء أسباب وجودها أصلاً.
وأضاف أن المغاربة، الذين دافعوا عن الملف عقوداً طويلة “بأناة وحكمة وحزم وثقة في الله عز وجل أولاً، ثم في القيادة الحكيمة” للملك الحسن الثاني ثم الملك محمد السادس، “لن يزدادوا في ظل هذه التطورات إلا رسوخاً وعزماً وحزماً وإصراراً على مواصلة التعبئة والإجماع الوطنيين”.
وأردف رئيس الفريق النيابي أن تمسك المغرب بحقه الثابت في الأقاليم الجنوبية، وهو ما أكده الملك بقوله: «المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها»، “لا يعادله إلا حرصه على لمّ شمل أبناء وبنات الوطن الواحد والعائلات الصحراوية الواحدة، وإنهاء حالة التفرقة هذه”.
ودعا إلى وضع حد “للمعاناة العائلية والإنسانية” للمحتجزين في مخيمات تندوف، وعودتهم “معززين مكرمين إلى حضن وطنهم الأم”، في إطار حل “لا غالب فيه ولا مغلوب، يحفظ ماء وجه جميع الأطراف”، كما أكد ذلك الملك.
محمد اوزين:النظام الجزائري يشجع ويرعى الإرهاب ومخيمات تندوف تهدد استقرار المنطقة
اتهم محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، النظام الجزائري بتشجيع ورعاية الإرهاب، معتبراً أن مخيمات تندوف تحولت، وفق تعبيره، إلى منصة تهدد السلم والاستقرار في المنطقة، وداعياً الأمم المتحدة ومختلف هيئاتها المعنية إلى التدخل العاجل لإنهاء ما وصفه بحالة الحصار المفروضة على المحتجزين داخل هذه المخيمات.
وقال النائب البرلماني أوزين، في مداخلة باسم الفريق الحركي خلال الجلسة المشتركة لمجلسي البرلمان المخصصة لمناقشة آخر تطورات قضية الصحراء المغربية، إن استمرار النزاع المفتعل لا يؤدي سوى إلى تعميق المعاناة الإنسانية وإهدار فرص التنمية والتكامل بين شعوب المنطقة، محملاً الجزائر مسؤولية الانخراط الإيجابي في البحث عن حل سياسي واقعي ونهائي.
واعتبر المتحدث أن الموقف الروسي الأخير بمجلس الأمن، الذي حال دون اعتماد مشروع القرار المتعلق بقضية الصحراء، لم يلغ الدلالة السياسية لتصويت 11 عضوا لصالح المشروع، مشيرا إلى أن هذه النتيجة تعكس، بحسب قراءته، اتساع الدعم الدولي للموقف المغربي ولمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها أساسا للحل السياسي.
وانتقد أوزين استخدام روسيا حق النقض، معتبرا أن الموقف الروسي يعيد إنتاج منطق الحرب الباردة ويخدم حسابات إقليمية ضيقة، بدل دعم الوحدة الترابية للدول والبحث عن تسويات تنهي النزاعات القائمة.
وشدد الأمين العام للحركة الشعبية على أن قضية الصحراء المغربية ليست موضوعا للمساومة أو المزايدة السياسية، بل قضية وطنية تحظى بإجماع المغاربة، مؤكدا أن الدفاع عن الوحدة الترابية والسيادة الوطنية يظل ثابتاً لا يقبل التراجع.
وفي سياق حديثه عن مستقبل المسار الأممي، دعا أوزين إلى مراجعة الآليات المعتمدة في تدبير النزاع، متسائلا عن مدى ملاءمة استمرار بعثة المينورسو بالهيكلة والمهام نفسها، في ظل التحولات السياسية والميدانية التي عرفها الملف منذ سنة 1991.
كما خصص جانبا من مداخلته للأوضاع الإنسانية داخل مخيمات تندوف، داعيا إلى ضمان الحريات الأساسية للمحتجزين وفتح آفاق العودة والاندماج والمصالحة، بعيدا عن توظيف معاناتهم في الحسابات السياسية والإقليمية.
وختم أوزين مداخلته بتوجيه الدعوة إلى الصحراويين المغاربة الموجودين بمخيمات تندوف للعودة إلى وطنهم الأم، والمساهمة في مسار التنمية الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية، موجها التحية إلى القوات المسلحة الملكية ومختلف الأجهزة الأمنية والترابية، وإلى سكان الأقاليم الجنوبية، تقديراً لدورهم في الدفاع عن الوحدة الترابية والمساهمة في التنمية والاستقرار.
نبيلة جلال:الرهان على التطبيع لخدمة الوحدة الترابية خيار فاشل لم يحقق أهدافه
اعتبرت نبيلة جلال، منسقة المجموعة النيابية لـ”تحالف اليسار “، خلال الجلسة العمومية المشتركة بالبرلمان المخصصة لمناقشة مستجدات قضية الصحراء، اليوم الاثنين، أن “الرهان على التطبيع لخدمة وحدتنا الترابية خيار فاشل وغير مجد، لم يحقق أهدافه”، مشددة على أن “القضية الوطنية لا ينبغي أن ترتهن لاتفاقات ظرفية يغيب فيها الإجماع الشعبي”.
وأكدت أن العمل على تحسين الجبهة الداخلية “مهمة لا تقبل التأخير”، ويمر عبر إصلاحات عميقة وانفراج سياسي حقيقي، من خلال إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومناهضي التطبيع، مبرزة أن قضية الوحدة الترابية “قضية وطنية مصيرية” تستدعي إشراك الشعب المغربي وقواه السياسية والنقابية والمدنية الحية في النقاش حول تطوراتها وتحدياتها، وتوسيع دائرة التشاور والترافع حول الخيارات الاستراتيجية المرتبطة بها.
وأضافت جلال: “نجتمع اليوم في سياق استثنائي من مسار قضيتنا الوطنية، سياق تفرض فيه تحولات متسارعة قراءة سياسية ومسؤولة”، معتبرة أن ما شهده مجلس الأمن، في سابقة هي الأولى منذ 35 عاما، بانتهاء جلسة دون تمديد ولاية بعثة المينورسو، “يشكل تطورا ذا دلالة سياسية خاصة”، غير أنه، بحسبها، لا يعفي من ضرورة التمييز بين تقلبات المواقف الدولية وبين ما يقتضيه مسار حل النزاع من وضوح في الرؤية واستشراف دقيق لمآلات المرحلة.
وأشارت إلى أن التوافق الدولي الواسع على اعتبار مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية “إطارا واقعيا وعمليا، وأساسا جديا للتوصل إلى تسوية سياسية”، في مقابل استمرار تعنت الطرف الآخر وما أفرزه استعمال الفيتو، يطرح من جديد أسئلة عميقة حول مسؤولية المنتظم الدولي وآليات اتخاذ القرار داخله، كما يعيد إلى الواجهة النقاش حول الأزمة التي تعيشها المؤسسات الدولية وتراجع قدرتها على الإسهام الفعلي في حل النزاعات الإقليمية، وهو ما يضع المجتمع الدولي، في نظرها، أمام مسؤوليته التاريخية من أجل تجاوز اختلالات نظام دولي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية، وإصلاح مؤسساته بما يتلاءم مع التحولات الديمغرافية والاقتصادية والسياسية التي يعرفها العالم اليوم.
وشددت المتحدثة على أن قضايا التحرر والسيادة “لا تُحسم فقط داخل الأروقة الدبلوماسية، بل تُبنى على التعبئة الشعبية وصلابة الجبهة الداخلية”، مبرزة أن الدرس الأساسي الذي ينبغي استخلاصه هو أن المغرب لا يمكن أن يبني استراتيجيته الوطنية على تقلبات التحالفات الدولية، ولا أن يجعل مستقبل قضية وحدته الترابية رهينًا بمواقف دول تتغير بتغير مصالحها، لأن “التحالفات ليست ضمانات أبدية”. وجددت التأكيد على الموقف المبدئي والثابت لتحالف اليسار من حق المغرب في استكمال وحدته الترابية، معتبرة مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية “إطارا واقعيا وعادلا وجادا للتوصل إلى حل سياسي لهذا النزاع”.
وأردفت جلال قائلة: “إن ثبات بلادنا وتضحيات شعبنا في الدفاع عن وحدته الترابية عبر مسار نضالي حافل قاده رجال مخلصون”، مستحضرة في هذا السياق مقولة الفقيد المجاهد سعيد آيت يدر، أحد أبرز قادة جيش التحرير في الجنوب: “إن الشعب المغربي لا يستفتى في أرضه”. وأكدت أن قضية الوحدة الترابية ظلت منذ استعمار البلاد “ثابتا وطنيا وانتماء راسخا لا مساومة عليه”، موضحة أن استرجاع الصحراء من الاستعمار الإسباني شكل محطة مفصلية في مسار الكفاح الوطني، في أفق استكمال استرجاع مدينتي سبتة ومليلية وكافة الثغور السليبة.
وتوقفت جلال عند ما استشهد به السفير المغربي من مسيرات مليونية حاشدة، باعتبارها تعبيرا عن قوة الالتفاف الشعبي حول القضايا الوطنية، لتؤكد أن ذلك يبرز حقيقة أساسية مفادها أن “قوة المغرب الحقيقية في شعبه ووحدة مواقفه”.
وشددت على أن الفعل الدبلوماسي المغربي يجب أن يتعزز في اتجاه العمق الإفريقي ودول البريكس، وبناء شراكات سياسية واقتصادية وتنموية مع الدول الإفريقية، وتوسيع دوائر الدعم والمساندة للمبادرة الوطنية، وذلك عبر مواجهة الفساد والريع، ومحاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية، وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنات والمواطنين.
وختمت هذه النقطة بالقول إن ترسيخ الوحدة الترابية “يجب أن يترجم إلى نموذج تنموي ديمقراطي تحضر فيه العدالة المجالية والتوزيع العادل للثروة، والمشاركة الفعلية للمواطنين في تدبير شؤونهم، وربط المسؤولية بالمحاسبة”.
وعلى المستوى المغاربي، أفادت جلال بأن استمرار القطيعة بين البلدين الجارين وحالة التوتر التي تعرفها المنطقة بشكل عام “يشكلان استنزافا تاريخيا لشعوب المنطقة، في وقت تتكتل فيه القوى الإقليمية والدولية”، موضحة أن هذه القطيعة والتوترات تكلف شعوب المنطقة أثمانا باهظة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. ودعت في ختام كلمتها إلى “إرادة سياسية شجاعة تفتح قنوات الحوار المباشر”.