في خضم التصعيد العسكري المتسارع الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، تتوالى ردود الفعل الإقليمية والدولية على الضربات المتبادلة بين إسرائيل والولايات المتحدة، وإيران، في سياق إقليمي معقد يتداخل فيه الملف النووي الإيراني مع تحولات ميدانية وأمنية أوسع تمس توازنات الخليج والمنطقة برمتها.
وتأتي هذه التطورات في ظرف إقليمي دقيق، يتسم بتوترات متراكمة منذ أشهر، وسط حديث عن فشل المحادثات المتعلقة بالملف النووي الإيراني، وما أعقب ذلك من تحركات عسكرية أعادت منسوب القلق إلى الواجهة بشأن مستقبل الاستقرار الإقليمي وطبيعة الاصطفافات الجيوسياسية القائمة.
وفي تصريح خاص لـ “بلبريس”، قال الخبير في العلاقات الدولية عصام العروسي إن ما حصل صباح اليوم يتمثل أولا في قصف بعض المواقع الإيرانية من قبل إسرائيل، وطبعا حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، معتبرا أن هذه الخطوة كانت متوقعة، غير أن توقيتها خلال شهر رمضان لم يكن في الحسبان.
وأضاف أن الحديث عن فشل المحادثات، كما ورد على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تعثر التفاوض مع إيران حول ملفها النووي، لا يمكن اعتباره مجرد سبب تقني أو ذريعة ظرفية، بل يندرج ضمن سياق أوسع يرتبط بطبيعة التحولات المتسارعة التي يعرفها النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، خاصة بعد ما وصفه بسقوط “قلاع عصية” على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، في إشارة إلى ما جرى في سوريا، وتدمير قطاع غزة بالكامل، والإضرار بالحوثيين في اليمن، وتدمير حزب الله في لبنان.
وأوضح العروسي أن الحرب الدائرة رحاها في منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج تجعل الرد الإيراني أمرا متوقعا، لاسيما بعد قصف المفاعلات النووية السنة الماضية، معتبرا أن السيناريو الأقرب كان تكرار ما وصفه بـ “المسرحية” السابقة، عبر رد إيراني يستهدف بعض المواقع العسكرية الأمريكية، مثل قاعدة العديد في قطر.
ويرى الخبير ذاته أن إيران تلعب حاليا ورقة تعتبرها استراتيجية، انطلاقا من كونها، حسب تعبيره، لا تملك ما تخسره في هذه المعركة الدائرة، خاصة في ظل ما تعيشه من استنزاف اقتصادي وأزمة داخلية، أرجع جزءا منها إلى حراك واحتجاجات قال إن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل كانتا من ورائها بشكل من الأشكال، واعتبر أن الوضع بلغ مرحلة “التأزيم” أو ما يعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ “المعضلة الأمنية” في أقصى تجلياتها.
وأشار العروسي إلى أن إيران تدرك وجود مصالح استراتيجية أمريكية في منطقة الخليج، خصوصا ما يتعلق بالنفط والمبادلات التجارية العالمية التي تمر عبر المضايق، واصفا هذه النقاط بالحساسة جدا، ومعتبرا أن طهران توظفها كورقة ضغط.
كما تحدث عن ضرب مواقع عسكرية أمريكية في عواصم خليجية كأبوظبي والبحرين وقطر، في إطار ما اعتبره حرب استنزاف تخوضها إيران في مواجهة الولايات المتحدة والضربات الإسرائيلية.
واعتبر أن ما يجري يمثل اختبارا حقيقيا لطبيعة النظام الإقليمي، في ظل سعي، بحسب تعبيره، إلى إنهاء ما كان يسمى بمحور الممانعة بقيادة إيران، مضيفا أن الخاسر الأكبر قد يكون إيران نفسها، خاصة إذا لم تكن الضربات مؤثرة بشكل كبير على دول الخليج.
وفي تقديره، فإن الموقف الأمريكي يبدو معقدا، مرجحا أن تكتفي واشنطن بتحقيق أهداف استراتيجية محددة دون الذهاب إلى خيار قلب النظام الإيراني من الداخل، وهو السيناريو الذي اعتبره ما يزال عصيا على الولايات المتحدة الأمريكية.
وخلص إلى أن الضربات العسكرية الحالية تندرج ضمن استكمال حلقات الحصار على إيران عبر إضعافها عسكريا، بهدف إعادة تشكيل المنطقة في إطار ما سماه “هيمنة أمريكية” أو “باكس أمريكانا”، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبدفع من إسرائيل، التي اعتبرها موجها أساسيا لأهداف استراتيجية تسعى من خلالها إلى إقحام واشنطن في تحركاتها العسكرية.