هل تراجعت البوليساريو عن تهديدها بالانسحاب من المفاوضات؟ (تحليل إخباري)

يبدو أن الأوراق اختلطت على جبهة البوليساريو، ففي 22 أكتوبر هدّدت جبهة الإنفصالية بالانسحاب من المفاوضات ومسلسل السلام الذي ترعاه الأمم المتحدة، احتجاجا على مسودة القرار الأممي الذي أعدّته الولايات المتحدة وجاء لصالح المغرب. لكن اجتماع أمانة الجبهة، برئاسة الأمين العام إبراهيم غالي، لم يذكر مسألة الانسحاب من المفاوضات، مكتفيا بالتعبير عن رفض “أي مقاربة لا تتأسس على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال”. فهل يُفسَّر هذا التحول بأنه تراجع عن التهديد الأول، أم أنه مجرد إعادة تموضع تكتيكي؟

تهديد علني في ظل ضغط أممي غير مسبوق

وجاء التهديد بالانسحاب في 22 أكتوبر، أي قبل أسبوع من التصويت المرتقب في مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر الجاري على المسودة الأمريكية، حيث تتضمن هذه المسودة، بحسب الوثيقة المتداولة، تغييرات جوهرية، أبرزها إنهاء ولاية بعثة المينورسو بصيغتها الحالية في 30 أبريل 2027، وتحويلها ابتداء من فاتح ماي إلى بعثة سياسية خاصة لمدة ستة أشهر، مع تغيير اسمها من “بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء” إلى “بعثة الأمم المتحدة للصحراء”، وتقليص مكوّنها النظامي بنسبة لا تقل عن 50 في المئة بحلول 31 يناير 2027.

والأخطر من ذلك بالنسبة للبوليساريو أن المسودة الأمريكية تجعل مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسّع والمحيَّن “الأساس الوحيد للتفاوض”، وتعتبر أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمثل الحل الوحيد الممكن للنزاع”. وهو ما يعني عمليا إخراج خيار الاستقلال من دائرة المرجعيات التفاوضية، وهو ما دفع الجبهة إلى التلويح بالانسحاب.

بيان 23 أكتوبر: غياب كلمة “الانسحاب”

في المقابل، صدر بيان الأمانة الوطنية في 23 أكتوبر، والذي تطرق إلى “آخر المستجدات التي تعرفها القضية الوطنية، وخصوصا على مستوى مجلس الأمن الدولي”، مؤكدا أن “الصحراء مسجلة لدى الأمم المتحدة كقضية تصفية استعمار منذ 1963″، ومجدّدا “رفضها لأي مقاربة لا تتأسس على حق الشعب الصحراوي، غير القابل للتصرف وغير القابل للمساومة أو التقادم في تقرير المصير والاستقلال”، وفق تعبير البيان.

ولم يتضمن البيان أي إشارة إلى الانسحاب من المفاوضات أو تعليق المشاركة في المسار الأممي، ما فتح الباب أمام قراءتين، الأولى ترى فيه تراجعا عن موقف 22 أكتوبر الذي كان سيكلّف الجبهة الكثير نظرا للتوجه الدولي العام المؤيد للحكم الذاتي، والثانية تعتبره صياغة دبلوماسية تحافظ على المبدأ دون حرق الجسور قبل التصويت الحاسم في مجلس الأمن.

قراءة في دلالات التحول

وتكشف المقارنة بين الموقفين عن فارق في اللغة والأدوات لا بالضرورة في الجوهر، فبيان 22 أكتوبر كان تهديدا صريحا بالانسحاب، وهو سلاح يُستخدم عادة في لحظات الضغط القصوى قبل التصويت. أما بيان 23 أكتوبر فقد استبدل لغة التهديد بلغة المبدأ، من خلال رفض “أي مقاربة” لا تتأسس على تقرير المصير. وهو رفض نظري عام لا يقطع مع المشاركة في المفاوضات، بل يضع شروطا مسبقة لها.

ويفسّر هذا التحول بثلاثة عوامل على الأقل، أولها، الضغط الدولي المتنامي لصالح المقاربة الأمريكية، إذ أن الانسحاب الفعلي من المفاوضات سيعزّل الجبهة ويُضعف موقعها في أي ترتيب لاحق، ويمنح خصومها ذريعة لتحميلها مسؤولية فشل المسار السياسي.

ثاني هذه العوامل، أن المسودة الأمريكية نفسها لا تزال معروضة على أعضاء مجلس الأمن وقابلة للتعديل، ما يجعل التهديد بالانسحاب أداة تفاوضية مؤقتة وليست قرارا نهائيا، أمل العامل الثالث، فيتمثل في كون البيان الأخير صدر في سياق تنظيمي داخلي (المؤتمر السابع عشر)، وهو ما يجعل من غير المنطقي أن يتضمن إعلانا استراتيجيا بالانسحاب في هذا التوقيت.

ترقّب لما بعد 30 أكتوبر

ويبقى حسم موقع الجبهة الإنفصالية مرهونا بنتيجة التصويت في 30 أكتوبر الجاري، فإذا اعتمدت المسودة الأمريكية بصيغتها الحالية، فإن البوليساريو ستكون أمام خيارين، إما الانسحاب فعليا من المفاوضات والاحتفاظ بموقفها المبدئي، أو البقاء في المسار مع رفض مرجعية الحكم الذاتي، وهو ما يعني عمليا قبولا ضمنيا بالإطار الجديد مع التحفظ عليه.

ولا يمكن في هذا السياق استبعاد أن يكون بيان 23 أكتوبر بمثابة “تراجع تكتيكي” يهدف إلى كسب الوقت وانتظار المشاورات بين أعضاء مجلس الأمن، التي قد تُدخل تعديلات على المسودة؛ فالجبهة تدرك أن الانسحاب في هذه المرحلة سيكون بمثابة انتحار دبلوماسي، في ظل سياق دولي يؤيد الحكم الذاتي، وسياق إقليمي يتجه نحو تسويات براغماتية.

ويرى مراقبون أ، غياب كلمة “الانسحاب” من بيان 23 أكتوبر للجبهة الإنفصالية لا يعني بالضرورة تراجع البوليساريو عن موقفها المبدئي، بل يعكس تحولا في التكتيك من التهديد الصريح إلى الرفض المشروط، فالجبهة تحاول الحفاظ على مبدأ تقرير المصير كمرجعية غير قابلة للتفاوض، دون أن تُحرق جسور المشاركة في مسار سياسي قد يتغير بعد 30 أكتوبر 2026.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *