في تطور ميداني جديد يعكس تصاعد حدة التوتر في الصحراء، أعادت ضربة جوية دقيقة تسليط الضوء على المخاطر الأمنية المرتبطة بتحركات عناصر جبهة البوليساريو، باعتبارها تنظيما انفصاليا مسلحا يهدد استقرار المنطقة ويستفيد من حالة الهشاشة الأمنية في الفضاء الصحراوي الممتد. وأسفرت العملية، التي نُفذت بواسطة طائرة مسيرة خارج خطوط التماس التقليدية، عن مقتل لحبيب عبد العزيز، نجل زعيم الجبهة السابق، إلى جانب اثنين من مرافقيه.
وتأتي هذه العملية في سياق تصاعد التحذيرات من تنامي الأنشطة المسلحة للبوليساريو، في ظل تزايد المخاوف من تشابك النزاعات في منطقة الساحل والصحراء وتداخلها مع شبكات التهريب والجريمة المنظمة والجماعات المتطرفة.
وترى مصادر متطابقة أن استمرار وجود مخيمات تندوف خارج آليات الرقابة الدولية الفعالة يخلق بيئة خصبة لتنامي النزعات المسلحة، بما يهدد الأمن الإقليمي ويقوض جهود الاستقرار في شمال إفريقيا.
وتزامنت هذه الضربة مع مرحلة متقدمة من تحديث القدرات الدفاعية المغربية، خاصة في مجال الطائرات المسيرة ومنظومات الاستطلاع والإنذار المبكر. فقد عزز المغرب خلال السنوات الأخيرة ترسانته الجوية بمسيرات متطورة من طراز “بيرقدار TB2″ التركية و”وينغ لونغ 2” الصينية، إلى جانب تطوير بنيته الاستخباراتية واللوجستية، الأمر الذي منح القوات المسلحة الملكية قدرة أكبر على تتبع التحركات المشبوهة وتنفيذ عمليات دقيقة ضد الأهداف التي تعتبرها تهديدا مباشرا لأمنها القومي.
ولم يقتصر أثر هذا التطور على محيط النزاع، بل امتد إلى دوائر التحليل العسكري في أوروبا، حيث أثار المستوى الذي بلغته القدرات المغربية في مجال الحرب الحديثة اهتماما متزايدا لدى خبراء الدفاع الإسبان. واعتبرت تقارير متخصصة أن الخبرة العملياتية التي راكمها المغرب في تشغيل الطائرات المسيرة والاستجابة السريعة للتهديدات المستجدة تفرض على عدد من الدول الأوروبية إعادة تقييم تصوراتها الأمنية والدفاعية في المنطقة المتوسطية.
وفي المقابل، حاولت قيادات البوليساريو التقليل من وقع الخسارة، عبر التأكيد على استمرار بنيتها التنظيمية. غير أن مقتل شخصية كانت توصف بأنها من الأسماء المرشحة لتولي أدوار قيادية داخل الجبهة يطرح تساؤلات بشأن مستقبل التوازنات الداخلية في مخيمات تندوف، خاصة في ظل ما يثار بشكل متكرر حول وجود صراعات مرتبطة بالنفوذ والولاءات داخل هذه المخيمات.
وتعكس هذه التطورات التحول الذي تعرفه طبيعة المواجهات في المنطقة، حيث لم تعد المعارك التقليدية هي المحدد الرئيسي لموازين القوى، بل أصبحت التكنولوجيا العسكرية المتطورة عاملا حاسما في مواجهة التهديدات غير النظامية. ومن هذا المنظور، تبدو الضربة الأخيرة مؤشرا على إصرار المغرب على تبني مقاربة أمنية أكثر حزما تجاه ما يعتبره تحركات لميليشيات انفصالية مسلحة تهدد وحدته الترابية واستقرار المنطقة بأكملها.