أكد الرئيس الأول لمحكمة النقض والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، أن الرقابة القضائية على الصفقات العمومية لا يجب النظر إليها كعائق أمام الفعل الإداري أو كمحدِّد لفعاليته، بل كآلية أساسية لترسيخ الثقة في المؤسسات، وضمان حماية المال العام، وتعزيز استمرارية وجودة المشاريع العمومية.
وأوضح عبد النباوي، خلال كلمة ألقاها بمناسبة افتتاح دورة تكوينية حول “الرقابة القضائية على الصفقات العمومية والقرارات الإدارية”، أن القضاء الإداري المغربي راكم تجربة مهمة من الاجتهادات، خاصة من طرف محكمة النقض، أسهمت في بناء منظومة قضائية متوازنة تراعي خصوصيات العمل الإداري وتنسجم مع متطلبات دولة القانون.
وأضاف أن هذا التطور جعل من الاجتهاد القضائي الإداري مكونا أساسيا في تعزيز الأمن القضائي، ودعامة لاستقرار المعاملات الاقتصادية والإدارية، بما ينعكس إيجابا على الثقة في البيئة المؤسساتية بالمغرب.
وشدد المسؤول القضائي على أن الإلمام بالاجتهاد القضائي الإداري لم يعد مقتصرا على القضاة فقط، بل أصبح ضرورة لدى مختلف الفاعلين في تدبير الشأن العام، لما يوفره من وضوح في فهم الاختصاصات، وتحديد لمقتضيات المشروعية، والوقاية من النزاعات قبل وقوعها.
كما أبرز أن أهمية الاجتهاد القضائي في مجال الصفقات العمومية تتجاوز البعد المتعلق بحسم المنازعات، لتصل إلى الإسهام في ترسيخ الأمن القانوني والقضائي، باعتباره أحد ركائز الدولة الحديثة.
وأشار إلى أنه كلما كانت القواعد القانونية أكثر وضوحا، والاجتهادات القضائية أكثر استقرارا، ازدادت قدرة الفاعلين على توقع النتائج القانونية لتصرفاتهم، وتعززت الثقة في المؤسسات، وتوفرت شروط أفضل للاستقرار في المعاملات والعلاقات القانونية.
وفي هذا السياق، اعتبر أن توحيد الاجتهاد القضائي واستقرار تفسير النصوص القانونية في مجال الصفقات العمومية يشكلان أساسا لضبط الإطار القانوني الذي يشتغل داخله كل من الإدارة والمتعاملين معها، ويسهمان في تقليص حالات الغموض وعدم اليقين، وتوجيه الممارسة نحو احترام مبادئ المشروعية والحكامة الجيدة.
كما لفت إلى أن هذا الاستقرار القانوني ينعكس بشكل مباشر على مناخ الأعمال والاستثمار، حيث لا تبنى الثقة فقط على جودة النصوص، بل أيضا على وضوح كيفية تطبيقها وثبات تأويلها القضائي، بما يتيح للمستثمرين والإدارة اتخاذ قراراتهم في بيئة قانونية مستقرة وقابلة للتوقع.
وأكد أن ضمان نجاعة الصفقات العمومية وسلامة تدبيرها يظل مرتبطا بوجود منظومة قانونية وقضائية تحقق التوازن بين متطلبات الفعالية الإدارية واحترام المشروعية، مبرزا المكانة المحورية التي أصبح يحتلها القضاء الإداري داخل دولة القانون.
وأوضح أن دور القضاء الإداري لم يعد يقتصر على البت في النزاعات بعد وقوعها، بل أصبح فاعلا في توجيه العمل الإداري وتأطيره من خلال ما يرسخه من مبادئ واجتهادات، تسهم في تحسين القرار العمومي وضمان توافقه مع القانون.
وأضاف أن القضاء الإداري مدعو اليوم إلى مواكبة تطورات العمل العمومي عبر إيجاد حلول قانونية تحقق التوازن بين الفعالية الإدارية وضمانات المشروعية، خاصة في مجال الصفقات العمومية التي تتقاطع فيها اعتبارات السرعة والنجاعة مع مبادئ الشفافية والمساواة والمنافسة.
وأشار إلى أن الاجتهاد القضائي الإداري أسهم عبر مختلف مراحله في بلورة قواعد قانونية لم تقتصر على فض النزاعات، بل امتدت إلى توجيه الإدارة وتحديد حدود السلطة التقديرية وضبط شروط اتخاذ القرار الإداري والتعاقدي.
وختم بالتأكيد على أن من أبرز أدوار القضاء الإداري اليوم دوره الوقائي، حيث لا تقاس قيمة الاجتهاد فقط بحل النزاعات القائمة، بل بقدرته على استباقها عبر إرساء قواعد واضحة تساعد الإدارة والفاعلين على تفادي الخلافات وبناء قرارات قائمة على اليقين القانوني.