يفتتح البرلمان المغربي، يوم غد الجمعة، الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، في ظرفية سياسية واقتصادية فارقة ومحملة بالتحديات، حيث يحمل هذا الدخول التشريعي طابعا استثنائيا.
ويأتي هذا الافتتاح المرتقب يوم غد عقب الاستحقاقات التشريعية لـ 23 من شتنبر 2026، ليضع المؤسسة التشريعية أمام واقع ممارسة المهام في ظل حكومة لم تتضح معالمها النهائية بعد، وهو معطى يفرض الاستجابة لمخاض مزدوج؛ يوازن بين ترتيب البيت الداخلي للتحالف المرتقب، وتدبير ضغوط الملفات الخارجية، ومواجهة المطالب الاجتماعية الحارقة.
تتجاوز هذه اللحظة البرلمانية حدود التمرين الديمقراطي العادي لتشكل اختبارا جليا لنضج التجربة التشريعية بالمملكة ومداها التنظيمي في التعاطي مع المتغيرات الوطنية والدولية.
والارتقاء بالعمل البرلماني اليوم لم يعد مجرد خيار تنظيمي، بل أصبح ضرورة سياسية ملحة لإعادة صياغة التعاقد الاجتماعي ورسم معالم الجيل الجديد من الإصلاحات التي تراهن عليها الدولة لمواجهة التقلبات الجيوسياسية وضمان استقرار النموذج التنموي الجديد.
تشكل هذه المرحلة الاختبار الأبرز لمدى قدرة المؤسسة التشريعية على إدارة الزمن الدستوري بكثير من الحذر والنجاعة.
فافتتاح الولاية البرلمانية قبل الإعلان الرسمي عن التشكيلة الحكومية يضع البرلمان في مواجهة تعقيدات التوازنات الحزبية الجديدة، خاصة مع تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للنتائج بـ 97 مقعدا مما يعيد رسم خارطة التحالفات ويفرض بناء أفق سياسي متين وضامن للاستقرار التنفيذي.
وفي هذا السياق، تبرز معالم المشهد السياسي الجديد من خلال تعقيدات التفاوض حول توزيع الحقائب الوزارية وصياغة برنامج حكومي موحد يجمع مكونات الأغلبية المرتقبة، في مقابل تشكل معارضة برلمانية يتصدرها حزب العدالة والتنمية الذي اختار الاصطفاف خارج الحكومة لمراقبة الأداء التنفيذي منذ اللحظات الأولى وهو ما يشكل تحديا سياسيا جليا يُلزم الأغلبية القادمة بالدفاع عن اختياراتها أمام رقابة برلمانية شديدة ومستمرة.
ويزداد هذا المعطى تعقيدا بسبب عامل ضغط الوقت؛ إذ يتعين على المؤسسة التشريعية إعداد ومناقشة والمصادقة على مشروع قانون المالية لسنة 2027 في ظرفية زمنية قياسية وفي سياق انتقالي حساس، وهو ما يستدعي أعلى درجات التوافق والمرونة التأسيسية بين المكونات السياسية لمنع أي تعطيل للمسار المالي والدستوري للدولة.
وإلى حين خروج التشكيلة الحكومية إلى العلن، توجد ملفات هيكلية لا تقبل التأجيل؛ إذ تظل حماية القدرة الشرائية للمواطنين ومكافحة التضخم وكبح الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الأساسية على رأس الأولويات التشريعية والاستطلاعية التي تنتظر النواب.
ينضاف إلى ذلك تطلع الشارع إلى حسم القوانين العالقة، وفي مقدمتها مشروع تعديل مدونة الشغل، وإصلاح أنظمة التقاعد المهددة بالإفلاس، ومواصلة التنزيل الميداني لورش الحماية الاجتماعية الشاملة وتحديث خدمات القطاعين الصحي والتعليمي.
ومن جهة أخرى، يمثل رهان استضافة كأس العالم 2030 أولوية تنموية وتدبيرية تفرض ملاءمة الترسانة القانونية الوطنية مع دفاتر تحملات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، والمصادقة على الميزانيات الاستثنائية الموجهة لتطوير البنية التحتية والموانئ والشبكة الطرقية والقطارات السريعة.
وعلى الصعيد الخارجي، يتجاوز الدخول البرلماني حاليا منطق المهام الاعتيادية ليتحول إلى اختبار دبلوماسي صريح ومباشر ضمن بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، مما يتطلب تفعيلا استراتيجيا لمفهوم الدبلوماسية البرلمانية القائمة على الكفاءة والتخصص والتأثير المباشر.
وفي هذا الإطار، تتعاظم المسؤولية بالتزامن مع دخول شهر أكتوبر الحاسم، الذي يشهد عقد جلسات مجلس الأمن الدولي المخصصة لمناقشة التطورات الأخيرة لملف الصحراء المغربية؛ مما يتطلب تكثيف الجهود لمواصلة الترافع الصلب عن الوحدة الترابية للمملكة، وحشد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتوسيع دائرة الاعتراف بها داخل المحافل الدولية والإقليمية لمواجهة مناورات الخصوم.
كما تتضاعف هذه التحديات الخارجية في ظل التعقيدات الناجمة عن التوترات الأخيرة مع المفوضية الأوروبية وبعض العواصم الأوروبية عقب أحداث تدفق المهاجرين نحو سبتة المحتلة خلال صيف 2026.
تضع هذه التطورات مسؤولية التصدي لمحاولات اليمين الأوروبي استغلال ملف الهجرة لإعادة رسم معالم الحدود أو المساس باتفاقيات الشراكة البحرية والفلاحية.
وفي هذا السياق، يلتزم البرلمان بالدفاع عن موقف الرباط الحازم الرافض لاعتبار سبتة حدودا أوروبية خالصة، والمطالب بتحديد المسؤوليات المشتركة في تفكيك شبكات الاتجار بالبشر.
إن هذا الدخول التشريعي المرتقب افتتاحه غدا يتجاوز كونه مجرد إجراء بروتوكولي سنوي ليصبح محطة فاصلة وتأسيسية تتداخل فيها الرهانات الوطنية الملحة بالملفات الخارجية الحساسة، ويبقى نجاح هذه الولاية مرهونا بمدى قدرة نواب الأمة والمؤسسة التشريعية على تدبير هذا المخاض المزدوج بكثير من النجاعة، واليقظة السياسية، وتغليب المصلحة الوطنية العليا.