خبير يَـعُـدُّ خمس أولويات لحكومة المنصوري للنهوض بالاقتصاد الوطني

يتزامن التفكير في رسم معالم البرنامج الحكومي المرتقب مع لحظة سياسية واقتصادية فارقة، تضع الفاعل السياسي أمام اختبار حقيقي لمصداقية تعهداته وتطلعات المواطنين، إذ إن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على صياغة برنامج حكومي مبني على الوعود أو الأرقام المجردة، بل بات يرتبط بمدى قدرة الإرادة السياسية على تحويل التوجهات الاقتصادية الكبرى إلى إنجازات ملموسة تعيد الثقة في المؤسسات والعمل السياسي.

وفي ظل وضع عام يستدعي الإجابة عن أسئلة المعيش اليومي، يجد البرنامج الحكومي المرتقب نفسه مطالبا بتجاوز التدبير القطاعي الكلاسيكي نحو طرح مشروع سياسي واقتصادي متكامل؛ يوازن بين نجاعة الاستثمار وتماسك الدولة الاجتماعية، ويجعل من النمو الاقتصادي أداة فعلية لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

وفي هذا السياق، أكد المحلل الاقتصادي سامي أمين أن أبرز رهان اقتصادي ينبغي أن يتصدر البرنامج الحكومي الجديد يتمثل في الانتقال من اقتصاد يكتفي بتحقيق النمو إلى اقتصاد ينجح في تحويل هذا النمو إلى فرص شغل منتجة ومستدامة، ودخل حقيقي، وعدالة اجتماعية ومجالية، مضيفا أن التحدي اليوم لم يعد مرتبطا فقط بحجم الاستثمارات الموجهة أو بتحقيق معدلات نمو أرقامها مجردة، وإنما يتعداه إلى التساؤل عن نوعية هذا النمو ومدى قدرته المباشرة على تحسين الحياة اليومية للمواطنين.

وأبرز الخبير الاقتصادي أن كسب هذا الرهان يمر عبر خمس أولويات استراتيجية مترابطة وذات أبعاد نسقية، حيث لفت أولا إلى أن استعادة القدرة الشرائية للأسر المغربية لا ينبغي أن تقتصر على الدعم الاجتماعي فحسب، بل تتطلب إصلاحا هيكليا للأسواق وسلاسل التوزيع، وتحسين المنافسة، وتقليص تكاليف المعيشة، والرفع من الدخل الحقيقي للمواطنين، مشددا في الأولوية الثانية على جعل التشغيل في صلب السياسة الاقتصادية عبر ربط الاستثمار الأجنبي والمحلي بمنظومات إنتاجية ذات قيمة مضافة مرتفعة، وإصلاح العلاقة بين التكوين وسوق الشغل، وتقوية المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع الإدماج الاقتصادي للشباب والنساء.

وأوضح المتحدث ذاته في الأولوية الثالثة ضرورة الانتقال من الاستثمار الكمي الخطي القطاعي إلى الاستثمار المنتج والمندمج النسقي التكاملي، بحيث لا نكتفي بقياس المشاريع بمليارات الدراهم، بل بعدد الوظائف المستدامة التي تخلقها، وحجم القيمة المضافة المحلية التي تنتجها، وتأثيرها المباشر في الإنتاجية والصادرات والميزان التجاري، ليؤكد في الأولوية الرابعة على أهمية إعادة هندسة التنمية الترابية من خلال تحويل الجهات والأقاليم إلى أقطاب اقتصادية متكاملة، وربط الاستثمار بالبنيات التحتية والتكوين والخدمات العمومية، بما يسمح بتقليص الفوارق في إنتاج الثروة وتوزيع الفرص بين المجالات وتعزيز الجاذبية الترابية.

وسلط سامي أمين الضوء في الأولوية الخامسة على تعزيز السيادة الاقتصادية وخاصة الأمن المائي والطاقي والغذائي، باعتبارها لم تعد مجرد قطاعات اجتماعية أو بيئية، بل أصبحت محددات رئيسية للتنافسية الصناعية والاستقرار الاقتصادي والأمن الوطني.

واستطرد أمين موضحا أن الرهان الأكثر عمقا يتجلى في بناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الدولة الاجتماعية، مع المحافظة على استدامة المالية العمومية، وهو ما يتطلب إصلاحا مؤسساتيا ونجاعة عمومية، والتقائية فعلية بين السياسات القطاعية، وحكامة قائمة على النتائج والمساءلة، مشيرا إلى أن نجاح البرنامج الحكومي لا ينبغي أن يقاس فقط بما يعلنه من مشاريع واعتمادات مالية، وإنما بما يحققه من تحسن ملموس في الأجور الحقيقية، والتشغيل، والإنتاجية، وجودة الخدمات، وتقليص الفوارق الترابية.

وخلص الخبير الاقتصادي إلى أن المغرب يحتاج اليوم إلى نمو يخلق الثروة، وإلى إنتاجية ترفع الدخل، وإلى استثمار يخلق الشغل، وإلى تنمية يشعر المواطن بأثرها الحقيقي في حياته اليومية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *