لم يعد التقارب بين الرباط وواشنطن مقتصرا على التعاون الأمني والعسكري، بل تحول إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، باتت قضية الصحراء محورها السياسي الأبرز، وفق قراءة تحليلية نشرها معهد إلكانو الملكي الإسباني، الذي حذر من تراجع تدريجي في قدرة مدريد على التأثير في أولويات البيت الأبيض بشمال إفريقيا، في ظل تنامي الحضور الدبلوماسي المغربي وتوسع شبكة شراكاته الدولية.
واعتبر التقرير أن التحول في العلاقات المغربية الأمريكية لا يقتصر على الاعتراف بمغربية الصحراء، بل يعكس إعادة تشكيل أوسع لموازين النفوذ في غرب البحر الأبيض المتوسط، حيث بات المغرب يشكل حلقة وصل استراتيجية بين الفضاءات الأطلسية والمتوسطية والإفريقية والشرق أوسطية، مستفيدا من علاقاته مع دول الخليج واستمرار شراكته مع إسرائيل.
وأوضح المعهد أن القيمة الاستراتيجية للمغرب لدى الولايات المتحدة تستمد أهميتها من قدرته على الجمع بين أدوار جيوسياسية متعددة، تشمل الأمن الإقليمي، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والتكنولوجيا، والانخراط في إفريقيا، وهو ما يمنح الرباط موقعا يتجاوز نطاق شمال إفريقيا، ويجعلها شريكا قادرا على الربط بين ملفات ومناطق تحظى بأهمية متزايدة في الحسابات الأمريكية.
وفي المقابل، يرى التقرير أن التحدي الذي تواجهه إسبانيا لا يتمثل بالضرورة في احتمال فقدان موقعها كشريك لواشنطن لصالح المغرب، وإنما في تراجع قدرتها تدريجيا على التأثير في تحديد أولويات السياسة الأمريكية بالمنطقة. واعتبر أن مدريد لا تزال تتوفر على مقومات استراتيجية مهمة، لكنها مطالبة بتوظيفها بصورة أكثر فاعلية للحفاظ على حضورها في حسابات البيت الأبيض.
ويعود التقرير بجذور هذا التحول إلى مطلع القرن الحادي والعشرين، حين بدأت العلاقات المغربية الأمريكية تتخذ طابعا أكثر اتساعا ومؤسساتية، بدعم من الحزبين داخل الكونغرس الأمريكي. كما شكلت هجمات 11 شتنبر 2001 محطة لتعزيز البعد الأمني في هذه الشراكة، بعدما اتجهت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش إلى تكثيف التعاون مع الحكومات العربية التي اعتبرتها معتدلة في إطار الحرب على الإرهاب، ليصبح المغرب أحد أبرز شركائها في شمال إفريقيا.
وبالتوازي مع هذا المسار، شكل توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين في يونيو 2004 خطوة مهمة نحو توسيع نطاق التعاون الاقتصادي، إذ لم تنظر إليها واشنطن باعتبارها مجرد اتفاق تجاري، بل جزءا من توجه لدعم شريك عربي وإسلامي تراهن عليه في الإصلاحات الاقتصادية والسياسية.
وفي الشهر نفسه، منحت الولايات المتحدة المغرب صفة حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي، بما يتيح له الاستفادة من أشكال محددة من التعاون العسكري الأمريكي، تشمل المعدات والتدريب والبحث. واستمرت هذه الشراكة في عهد الرئيس باراك أوباما، وإن ركزت إدارته بدرجة أكبر على الإصلاحات السياسية وحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية.
غير أن المنعطف الأبرز، بحسب التقرير، تحقق خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب، وتحديدا في دجنبر 2020، عندما استأنف المغرب علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل في إطار اتفاقيات أبراهام، مقابل اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء. واعتبر المعهد أن هذا القرار شكل تحولا مهما في السياسة الأمريكية، باعتبار أن الولايات المتحدة أصبحت أول قوة غربية كبرى تعترف رسميا بالسيادة المغربية على الإقليم، بعد سنوات من الاكتفاء بوصف مقترح الحكم الذاتي بأنه جاد وموثوق.
ومع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض في يناير 2021، برزت تساؤلات بشأن احتمال مراجعة القرار الأمريكي، غير أن إدارته اختارت الإبقاء على الاعتراف، رغم عدم تنفيذ وعد سلفه بفتح قنصلية أمريكية في الداخلة. كما واصلت واشنطن التعاون العسكري مع الرباط، بما في ذلك مناورات «الأسد الإفريقي»، والتنسيق في مكافحة الإرهاب، والحوار الاستراتيجي بين البلدين.
وشهدت العلاقات دفعة جديدة مع عودة ترامب إلى السلطة في يناير 2025، إذ سجل التقرير انتقال الموقف الأمريكي من تثبيت الاعتراف السابق إلى دعم أكثر وضوحا لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وأشار إلى أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وصف، في أبريل 2025، الحكم الذاتي بأنه الحل العملي الوحيد، معتبرا المقترح المغربي الإطار الوحيد للمفاوضات، كما أشار إلى تجديد ترامب هذا الموقف في رسالة إلى الملك محمد السادس في غشت 2026، وفق ما أورده التقرير.
ويربط المعهد هذه التطورات بتحول أوسع في السياسة الخارجية المغربية، التي اتجهت خلال العقد الأخير إلى تنويع الشركاء وتقليص التبعية السياسية لأوروبا، مع استمرار الاتحاد الأوروبي في موقع الشريك الاقتصادي الرئيسي للمملكة. ويرى أن هذا التوجه عزز هامش الحركة الدبلوماسية للرباط، ومنحها قدرة أكبر على بناء علاقات استراتيجية خارج محيطها التقليدي.
وبالنسبة إلى إسبانيا، فإن تعاظم الشراكة المغربية الأمريكية يفرض، وفق التقرير، إعادة تقييم البيئة الاستراتيجية التي تدير فيها مدريد علاقاتها مع الرباط. فالدعم الأمريكي الأكثر صراحة للموقف المغربي بشأن الصحراء يحد من قدرة إسبانيا على معالجة هذا الملف ضمن إطار ثنائي محض أو بالاعتماد على المقاربة الأوروبية وحدها، بعدما أصبح الموقف الأمريكي عاملا مؤثرا في مسار النزاع وتوازناته الدولية.
وأضاف التقرير أن التحول في السياسة الأمريكية يمنح المغرب قدرة أكبر على تدويل مقترح الحكم الذاتي وتعزيز حضوره في النقاشات الدولية بشأن الصحراء، وهو ما يغير السياق الذي ظلت إسبانيا تدير ضمنه علاقاتها مع المملكة لعقود، ويجعل الملف أكثر ارتباطا بالتوازنات الاستراتيجية الأوسع في المنطقة.
وخلص معهد إلكانو إلى أن المغرب بات يتحرك في بيئة إقليمية تمنحه استقلالية أكبر وشبكة أوسع من الشركاء وقدرة متنامية على ممارسة النفوذ خارج منطقة المغرب العربي. واعتبر أن استجابة مدريد لا ينبغي أن تظل رهينة ردود الفعل على المكاسب الدبلوماسية المغربية، بل يتعين أن تقوم على تعزيز عناصر القوة التي تجعل إسبانيا شريكا يصعب الاستغناء عنه بالنسبة إلى واشنطن.
وبحسب التقرير، فإن ترسيخ المحور المغربي الأمريكي يمثل تحديا وفرصة لإسبانيا في الوقت نفسه؛ فالتحدي يكمن في الحفاظ على قدرتها على التأثير في الأجندة الأمريكية بشمال إفريقيا، بينما تقتضي الاستجابة تطوير أدواتها الدبلوماسية والاستراتيجية بما يتلاءم مع التحولات الجارية، في منطقة يزداد فيها الوزن السياسي للمغرب وتتسع فيها خياراته الدولية.