حدد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ملامح تموقع حزبه خلال المرحلة السياسية المقبلة، مؤكداً أن «المصباح» سيتجه نحو معارضة «معتدلة وقوية»، مع ترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية التعاون مستقبلاً مع حزب الأصالة والمعاصرة، لكن بشروط مرتبطة بتحولات داخلية في الحزب.
وقال بنكيران، خلال الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية المنعقدة السبت 26 شتنبر 2026 بمدينة بوزنيقة، إن حزبه لا يمكن أن يدخل في تحالف مع حزب الأصالة والمعاصرة في المرحلة الحالية، موضحاً أن موقف العدالة والتنمية قد يتغير مستقبلاً إذا شهد «البام» مراجعات وإصلاحات على مستوى قيادته وبنيته السياسية والتنظيمية.
وشدد الأمين العام لـ«المصباح» على أن التحالف مع الأصالة والمعاصرة لن يكون ممكناً، وفق تصوره، إلا إذا تولى قيادة الحزب رئيس أو رئيسة لسنوات وتمكن من «تنظيفه وإصلاحه»، في إشارة إلى ضرورة حدوث تحول داخلي قبل التفكير في أي تقارب سياسي.
وفي هذا السياق، استحضر بنكيران اسم فوزي لقجع، الذي التحق بحزب الأصالة والمعاصرة وأصبح عضواً في مكتبه السياسي، كما قاد حملته الانتخابية الأخيرة، مشيراً إلى لقاء جمعهما خلال الفترة الماضية، قال إنه تحدث خلاله معه بشأن مسار الحزب.
ويأتي هذا الموقف ليؤكد التوجه الذي أعلنه بنكيران مباشرة بعد انتخابات 23 شتنبر، حين استبعد مشاركة العدالة والتنمية في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، داعياً إلى اختيار موقع المعارضة باعتباره التموضع الطبيعي للحزب خلال المرحلة المقبلة.
وخاطب بنكيران فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، وفوزي لقجع، قائلاً: «أما الآن لا يوجد أيها الرئيس أو الرئيسة… لا يوجد سوى المعارضة باعتدال»، مضيفاً أن معارضة حزبه ستكون «معقولة وقوية»، في تأكيد على طبيعة الدور الذي يستعد «المصباح» للاضطلاع به داخل المؤسسة التشريعية.
ويأتي ذلك في وقت كان فيه حزب الأصالة والمعاصرة قد تصدر نتائج الانتخابات التشريعية بـ97 مقعداً، فيما حل حزب العدالة والتنمية رابعاً بـ54 مقعداً، محققاً ارتفاعاً لافتاً مقارنة بنتيجته في انتخابات 2021 التي لم يحصل خلالها سوى على 13 مقعداً.
وكانت المنصوري قد أعلنت، عقب تصدر حزبها نتائج الاقتراع، أن الأصالة والمعاصرة لا يضع خطوطاً حمراء أمام التحالفات، وأن البرامج والتوافقات ستكون المحدد الأساسي في تشكيل الأغلبية الحكومية، وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام مفاوضات تشكيل الحكومة خلال المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، انتقل بنكيران خلال كلمته أمام المجلس الوطني إلى انتقاد عدد من الممارسات التي قال إنها رافقت انتخابات 23 شتنبر، متوقفاً عند حضور المال والأعيان في المنافسة الانتخابية، ومتحدثاً عن وقائع اعتبر أنها «لا تشرف الأحزاب ولا تشرف الوطن».
كما أعلن أن الحزب يعتزم الطعن في نتائج عدد من الدوائر الانتخابية، وعلى رأسها دائرة أزيلال-دمنات، على خلفية سقوط مرشح الحزب خالد تيكوكين، معتبراً أن ما وقع «ليس معقولاً»، ومتحدثاً عن احتمال وجود تلاعب في المحاضر، مع التأكيد على أنه لا يتهم وزارة الداخلية بالوقوف وراء ذلك.
من جهته، ركز جامع المعتصم، رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، على ما وصفه بأعطاب الاستحقاق الانتخابي، وفي مقدمتها ضعف الثقافة الديمقراطية وأزمة الثقة في المؤسسات، متوقفاً بشكل خاص عند نسبة المشاركة التي بلغت 38.02 في المائة.
وقال المعتصم إن «العطب الأكبر هو عطب الثقة في المؤسسات»، معتبراً أن نسبة المشاركة تشكل «مؤشراً سلبياً» يتعين أن تنتبه إليه مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني والنخبة المثقفة.
كما انتقد رئيس المجلس الوطني القاسم الانتخابي، مشيراً إلى أن ملاحظين قدموا من الخارج توقفوا بدورهم عند هذا النظام، ودعا إلى معالجة الاختلالات من خلال الاعتراف بالمكتسبات، وفي الوقت نفسه «الاعتراف بالأعطاب بإصلاحها».
وفي قراءته لنتائج الانتخابات، اعتبر المعتصم أن الاستحقاق الأخير أعاد للعدالة والتنمية جزءاً من حضوره الانتخابي، بعدما ارتفع رصيده من 13 مقعداً سنة 2021 إلى 54 مقعداً في انتخابات 23 شتنبر.
وأكد أن طموح الحزب يتجاوز وزنه الانتخابي الحالي، معتبراً أن موقعه السياسي يؤهله للصدارة، مستنداً إلى ما وصفه بـ«حضوره السياسي المتميز ووضوح مواقفه وانحيازه إلى مطالب المواطنين في الكرامة والعدالة».
وهكذا، يبدو أن العدالة والتنمية اختار، في المرحلة الراهنة، تثبيت موقعه في المعارضة، مع الإبقاء على إمكانية إعادة ترتيب علاقاته السياسية مستقبلاً، خصوصاً مع الأصالة والمعاصرة، إذا ما طرأت تحولات داخلية تستجيب للشروط التي حددها بنكيران.