تتجه قضية التزكية الانتخابية داخل حزب الاتحاد الدستوري بفاس إلى التحول من خلاف تنظيمي داخلي إلى نزاع ذي أبعاد قانونية وسياسية، بعدما اختار محمد البلحياني، الحاصل على تزكية الحزب لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة بدائرة فاس الشمالية، اللجوء إلى المساطر القانونية للاستفسار عن مصير ترشيحه، في ظل تداول معطيات تفيد بإسناد التزكية نفسها إلى اسم آخر.
وفي هذا السياق، استعان محمد البلحياني بالأستاذ أحمد حرمة، المحامي بهيئة فاس، لتوجيه استفسار وإعذار إلى محمد جودار، الأمين العام لحزب الاتحاد الدستوري، بشأن الوضعية القانونية والتنظيمية للتزكية التي منحت له وكيلا للائحة الحزب بالدائرة الانتخابية فاس الشمالية عمالة فاس، وما أعقب ذلك من حديث عن منح تزكية جديدة للمرشح إدريس أبلهاض عن الدائرة الانتخابية نفسها.
وتعود بداية الملف إلى 8 غشت الجاري، حين حصل البلحياني، وفق المعطيات المتوفرة، على تزكية رسمية من الحزب لخوض الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل. غير أن المعني بالأمر يقول إنه، إلى حدود الساعة، لم يتوصل بأي قرار رسمي أو إشعار مكتوب يفيد سحب التزكية أو إلغائها، الأمر الذي يضع قيادة الحزب أمام سؤال جوهري يتعلق بالمسار الذي اتبعته في حال قررت فعلا استبدال المرشح أو إعادة ترتيب اختياراتها الانتخابية.
وتزداد حساسية الملف مع تداول اسم إدريس أبلهاض كمرشح محتمل للاتحاد الدستوري بدائرة فاس الشمالية، بعدما غادر حزب الاستقلال واستقال من مختلف هياكله وتنظيماته، بما فيها الهيئة النقابية التابعة لحزب الميزان. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن القضية لا تتعلق فقط بتغيير اسم مرشح بآخر، وإنما تفتح الباب أمام أسئلة أوسع حول كيفية تدبير التزكيات داخل الحزب، والجهة المخولة باتخاذ قرار سحبها أو تعديلها، وما إذا كانت المسطرة التنظيمية قد احترمت في الحالة المعنية.
ولم يقف البلحياني عند حدود الاستفسار الحزبي، بل اختار نقل الخلاف إلى مستوى أكثر رسمية، بعدما استعان دفاعه بمفوض قضائي لتبليغ الطلب إلى الأمين العام للحزب. ويطالب البلحياني، من خلال دفاعه، بالكشف عن مصير التزكية التي حصل عليها، وتحديد ما إذا كانت ما تزال سارية المفعول، أو تم سحبها بقرار رسمي، وفي هذه الحالة تمكينه من نسخة من القرار وتحديد الجهة التي أصدرته والأساس القانوني والتنظيمي الذي استند إليه.
كما يطالب بالكشف عن الأساس الذي يسمح، في حال ثبوت ذلك، بمنح تزكية لاحقة لمرشح آخر عن الدائرة الانتخابية نفسها، بما يطرح مسألة دقيقة تتعلق بالتسلسل الزمني والصفة القانونية لكل تزكية، خصوصا أن الأمر يتعلق باستحقاق انتخابي محدد وبلائحة حزبية يفترض أن تخضع لقرار تنظيمي واضح وغير ملتبس.
وتكشف هذه الخطوة عن انتقال الخلاف من مستوى التواصل الداخلي إلى مرحلة توثيق المواقف والمسؤوليات. فاللجوء إلى محام ومفوض قضائي لا يحمل فقط دلالة قانونية، بل يعكس أيضا رغبة صاحب التزكية في تثبيت الوقائع والمراسلات والمطالب بشكل يمكن الاحتجاج به لاحقا، سواء داخل أجهزة الحزب أو أمام الجهات المختصة، في حال تطور النزاع إلى طعن أو منازعة انتخابية.
واللافت في هذه القضية أن البلحياني يؤكد أنه استنفد، قبل اللجوء إلى المسطرة القانونية، محاولات الحصول على توضيحات عبر القنوات الحزبية محليا وجهويا ووطنيا. وإذا كان هذا المعطى دقيقا، فإنه يضع قيادة الاتحاد الدستوري أمام إشكالية سياسية وتنظيمية أكثر من كونها مجرد خلاف شخصي بين مرشحين؛ إذ إن غياب جواب واضح في مرحلة تسبق إيداع الترشيحات قد يغذي الانطباع بوجود ارتباك في تدبير الاختيارات الانتخابية، خصوصا في دائرة انتخابية ذات رمزية سياسية بحجم فاس الشمالية.
الأكثر دلالة أن جوهر الخلاف لا يرتبط فقط بمن سيحمل اسم الاتحاد الدستوري في الانتخابات المقبلة، وإنما بـ«شرعية القرار السياسي» الذي أنتج هذا الاختيار. فالتزكية الانتخابية ليست مجرد وعد سياسي للمرشح، بل هي قرار حزبي يفترض أن يصدر عن جهة مخولة، وفق قواعد داخلية ومساطر معلومة، وأن يكون قابلا للتوثيق عندما يتعلق الأمر بتغييره أو سحبه. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت تزكية البلحياني قد سحبت فعلا، فأين القرار؟ ومتى صدر؟ ومن اتخذه؟ وكيف تم إبلاغ المعني بالأمر؟ وإذا لم تسحب، فما الأساس الذي يسمح بتقديم مرشح ثان عن الدائرة نفسها؟
ومن زاوية سياسية، قد تكشف القضية أيضا عن واحد من أوجه التوتر التي ترافق عملية اختيار المرشحين مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية. فالأحزاب لا تدير فقط معركة الحصول على المقاعد، وإنما تواجه في الوقت نفسه صراعات داخلية مرتبطة بالأسماء والامتدادات المحلية والتوازنات التنظيمية. واستقدام مرشح من حزب آخر، خصوصا إذا كان له حضور سياسي أو انتخابي سابق، قد يكون بالنسبة إلى القيادة خيارا انتخابيا يراد منه رفع حظوظ الحزب، لكنه قد يتحول في المقابل إلى مصدر احتكاك مع مناضلين أو مرشحين سبق أن تلقوا إشارات أو تزكيات من التنظيم.
وفي حالة فاس الشمالية، يبدو أن الرهان يتجاوز شخص البلحياني أو أبلهاض، ليصل إلى قدرة الاتحاد الدستوري على تدبير مرحلة ما قبل الحملة الانتخابية دون ترك تناقضات داخلية يمكن أن تنعكس على صورته أمام الناخبين. فحين يجد مرشح نفسه مضطرا إلى الاستعانة بمحام ومفوض قضائي للحصول على جواب حول مصير تزكيته، فإن ذلك يعكس، في الحد الأدنى، وجود أزمة ثقة في قنوات التواصل الداخلي، حتى وإن لم يكن ذلك دليلا بحد ذاته على وجود خرق قانوني.
كما أن توقيت النزاع يزيد من حساسيته، فمع اقتراب آجال إيداع الترشيحات وانطلاق الحملة الانتخابية، لم يعد هامش المناورة كبيرا أمام الأحزاب لتصحيح اختلالاتها الداخلية، وكلما تأخر الحسم، زادت كلفة الخلاف سياسيا وتنظيميا، وقد يتحول من مجرد نزاع حول تزكية إلى ورقة انتخابية يستثمرها الخصوم في مواجهة الحزب.