ملك إسبانيا يستنفر الجيش بشأن سبتة

لم يكن ظهور العاهل الإسباني فيليبي السادس بزيه العسكري إلى جانب وزيرة الدفاع وعدد من كبار قادة الجيش مجرد صورة بروتوكولية عابرة، خصوصاً أن الاجتماع خُصص لبحث الوضع في مدينة سبتة من زاوية الدفاع والأمن. فالتوقيت والسياق والطريقة التي اختارت بها المؤسسة الملكية الإعلان عن اللقاء، كلها عوامل أعادت ملف المدينة المحتلة إلى واجهة النقاش السياسي والأمني في إسبانيا، وفتحت الباب أمام قراءات تتجاوز الجانب العسكري الصرف.

الاجتماع، الذي احتضنه قصر زارزويلا، جمع الملك بوزيرة الدفاع مارغاريتا روبليس ورئيس أركان الدفاع الأدميرال العام تيودورو إستيبان لوبيز كالديرون، إلى جانب عدد من كبار القادة العسكريين، بينهم رئيس قيادة العمليات الفريق أول خوسيه أنطونيو أغويرو، ورئيس القيادة العملياتية البرية الفريق أول خوليو سالوم، والقائد العام لسبتة اللواء لويس خيسوس فرنانديث هيريرو.

ووفق صحيفة “الباييس”، فإن اللقاء لم يكن مدرجاً مسبقاً ضمن الأجندة العلنية للقصر الملكي أو وزيرة الدفاع، قبل أن تختار دار الملك الكشف عنه عبر صورة رسمية ورسالة على شبكات التواصل الاجتماعي. وهذه الطريقة في الإعلان لا تبدو تفصيلاً ثانوياً، خصوصاً أن الصورة أظهرت فيليبي السادس مرتدياً الزي العسكري، في مشهد يحمل حمولة رمزية واضحة في بلد يحدد فيه الدستور للملك موقع القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وتزداد أهمية الخطوة بالنظر إلى أن الاجتماع يأتي في مرحلة باتت فيها سبتة ومليلية حاضرتين بقوة في الحسابات السياسية والأمنية الإسبانية. فالمدينتان تقعان في قلب علاقة شديدة الحساسية بين مدريد والرباط، كما أن ملف الهجرة والحدود جعلهما خلال السنوات الأخيرة موضوعاً دائماً للنقاش داخل المؤسسات الإسبانية.

وقد أعادت موجة الهجرة الكبيرة التي شهدتها سبتة في نهاية يوليوز تسليط الضوء على هشاشة الوضع في المدينة، وعلى مدى ارتباط أمنها بالتحولات التي تشهدها المنطقة. ومن هنا يمكن فهم حرص المؤسسة الملكية الإسبانية على إبراز أن الوضع في سبتة يحظى بمتابعة على أعلى مستوى، خصوصاً من زاوية الدفاع.

لكن اللافت في هذه الخطوة هو أن الرسالة لا تتجه بالضرورة إلى الخارج وحده. فبحسب القراءة التي قدمتها “الباييس”، يمكن أن يكون نشر صورة الملك بالزي العسكري رسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى الرأي العام الإسباني، مفادها أن المؤسسة الملكية تتابع عن قرب ملف حماية الحدود والمدن التي تعتبرها مدريد جزءاً من أراضيها.

وفي الوقت نفسه، يصعب فصل هذا التحرك عن المغرب، باعتبار أن وضعية سبتة ومليلية تشكل إحدى أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين البلدين. فمجرد اجتماع الملك الإسباني مع القيادة العسكرية لمناقشة وضع سبتة من “منظور الدفاع” يمكن أن يحمل، ولو بشكل غير مباشر، رسالة مفادها أن مدريد تنظر إلى أمن المدينة باعتباره قضية سيادية وأمنية لا يمكن فصلها عن المؤسسة العسكرية.

وتأتي هذه التطورات أيضاً وسط نقاش سياسي داخل إسبانيا بشأن الدور الذي ينبغي أن يلعبه الملك في ملف المدينتين. فقد سبق للمعارضة أن اتهمت رئيس الحكومة بيدرو سانشيز بعرقلة زيارة كان فيليبي السادس يرغب في القيام بها إلى سبتة ومليلية، قبل أن يؤكد رئيس الحكومة لاحقاً دعمه لهذه الزيارة، مشيراً إلى إمكانية إجرائها خلال الأسابيع المقبلة.

وهنا تبرز حساسية أخرى للموضوع، ذلك أن أي زيارة ملكية إلى سبتة ومليلية ستكون حدثاً سياسياً يتجاوز بعدها البروتوكولي، بالنظر إلى تاريخ آخر زيارة ملكية إسبانية إلى المدينتين. فقد زار الملك خوان كارلوس الأول سبتة ومليلية سنة 2007، في عهد حكومة خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، وهي الخطوة التي أثارت في ذلك الوقت توتراً حاداً مع المغرب.

وبالتالي، فإن احتمال تكرار المشهد مع فيليبي السادس يحمل رمزية أكبر من مجرد زيارة لمدينة أو مدينتين تابعتين إدارياً لإسبانيا. فالمغرب يعتبر سبتة ومليلية مدينتين محتلتين، بينما تصر مدريد على اعتبارهما جزءاً من الأراضي الإسبانية، ما يجعل أي تحرك رسمي رفيع المستوى بشأنهما قابلاً لأن يتحول إلى رسالة سياسية.

ومع ذلك، تحاول الحكومة الإسبانية التقليل من الطابع الاستثنائي للاجتماع الأخير. فمصادر حكومية أكدت أن لقاء الملك بوزيرة الدفاع والقيادات العسكرية يدخل في إطار العلاقة الطبيعية والخاصة التي تجمع العاهل الإسباني بالقوات المسلحة، مشيرة إلى أن قصر مونكلوا كان على علم مسبق بالاجتماع، بل إنه ينظر بإيجابية إلى انعقاده والإعلان عنه.

لكن المشكلة لا تكمن فقط في الاجتماع نفسه، وإنما في تنامي حضور الملك في ملفات ذات طبيعة سياسية وأمنية حساسة. وهذا ما يفسر بعض التحفظات داخل الحكومة الإسبانية، وفق ما نقلته “الباييس”، خصوصاً أن الدستور يحدد بدقة موقع الملك داخل النظام السياسي ويجعل الحكومة مسؤولة عن المصادقة على تحركاته الرسمية.

هذه النقطة تكتسي أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بملف مثل سبتة ومليلية، لأن أي تحرك ملكي فيه قد تكون له تداعيات سياسية ودبلوماسية تتجاوز الحدود الإسبانية. فالحكومة هي التي تتحمل المسؤولية السياسية عن مواقف الدولة، بينما يمكن لتحرك الملك أن يمنح القضية بعداً رمزياً وشعبياً أقوى.

ومن هذه الزاوية، فإن اجتماع فيليبي السادس بالقيادة العسكرية يمكن قراءته على مستويين متوازيين. المستوى الأول داخلي، ويتعلق بطمأنة سكان سبتة وإظهار أن مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الملكية والقوات المسلحة، تتابع وضع المدينة عن قرب. أما المستوى الثاني فيتعلق بالرسائل الخارجية، وفي مقدمتها الرسالة الموجهة إلى المغرب، وإن لم تكن هناك إشارة رسمية مباشرة إلى الرباط.

ولا يمكن تجاهل أن فيليبي السادس سبق أن اتخذ موقفاً واضحاً عقب أحداث الهجرة الجماعية التي شهدتها سبتة، عندما عبر عن “قلق واستنكار كبيرين” تجاه ما وصفته دار الملك آنذاك بالأحداث الخطيرة. كما شدد على ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لإيصال رسالة واضحة إلى سكان سبتة ومليلية بشأن دعم باقي إسبانيا لهما.

هذا الموقف يكشف أن الملف لم يعد بالنسبة إلى المؤسسة الملكية الإسبانية مجرد قضية إدارية أو حدودية تترك للحكومة والسلطات المحلية، بل أصبح جزءاً من الخطاب المرتبط بأمن الدولة ووحدة أراضيها كما تنظر إليها مدريد.

وفي المقابل، لا يعني ذلك بالضرورة أن العلاقات المغربية الإسبانية تتجه نحو مواجهة جديدة. فالعلاقات بين البلدين شهدت خلال السنوات الأخيرة تطوراً مهماً في التعاون الاقتصادي والأمني والهجرة، رغم استمرار الخلاف حول الوضع النهائي لسبتة ومليلية. ولذلك فإن مدريد تدرك جيداً أن أي تصعيد في ملف المدينتين قد تكون له انعكاسات على ملفات أخرى أكثر اتساعاً.

لكن ما يبدو واضحاً هو أن سبتة عادت لتحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الأمنية والسياسية الإسبانية. والاجتماع الذي ترأسه فيليبي السادس، والصورة التي اختارت دار الملك نشرها، ثم النقاش المتجدد حول زيارة محتملة للملك إلى سبتة ومليلية، كلها مؤشرات تجعل الملف مرشحاً للبقاء في صدارة الاهتمام خلال المرحلة المقبلة.

ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان تحرك الملك الإسباني يمثل مجرد تأكيد على دوره الدستوري وعلاقته بالقوات المسلحة، أم أنه جزء من إعادة ترتيب للرسائل السياسية المرتبطة بسبتة ومليلية.

فالرباط تتابع بالتأكيد كل ما يتعلق بالمدينتين بحساسية خاصة، ومدريد تعرف أن أي خطوة ملكية أو عسكرية فيهما لن تُقرأ بمعزل عن تاريخ طويل من الخلاف حول السيادة. وبين رغبة إسبانيا في طمأنة سكان سبتة ومليلية وإظهار جاهزية مؤسساتها، وحرصها في الوقت ذاته على الحفاظ على علاقاتها مع المغرب، تبدو المؤسسة الملكية أمام ملف شديد التعقيد، قد يتحول مجدداً إلى اختبار دقيق للتوازنات بين مدريد والرباط.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *